تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
أحمد بن محمد الفراء يقول : سمعت أبا بكر بن عثمان يقول : كتب أبو عثمان الحيري إلى محمد بن الفضل يسأله ما علامة الشقاوة ) في الشخص ( فقال ثلاثة أشياء ) أحدها ( يرزق العلم ويحرم العمل ) به ( و ) ثانيها ( يرزق العمل ويحرم الإخلاص ) فيه ( و ) ثالثها ( يرزق صحبة الصالحين ولا يحترم لهم ) بزيادة اللام فيعاملهم بأسوأ المعاملات فتفوته الخيرات وتحل به البليات ، ( وكان أبو عثمان الحيري يقول : محمد بن الفضل سمسار الرجال ) أي : يعرف رتبهم في الدين كما يعرف سمسار السلع قدرها وقدر أثمانها ، وذلك لكمال معرفته بمراتب الدين وأحوال العارفين . ( سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت ) عبد اللّه الرازي يقول : سمعت محمد ابن الفضل يقول : الراحة وفي نسخة طلب الراحة ( في السجن من أماتي النفوس ) لأنها خلاف وضعه والسجن هنا الدنيا قال صلى اللّه عليه وسلم : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » « 1 » لأن المؤمن فيها مسؤول عن حركاته وسكناته وما في قلبه مأمور بملازمة أوامره ومنهي
شرح
( قوله : ما علامة الشقاوة الخ ) إن قلت لم قدم السؤال عن الشقاوة دون السعادة قلت : لأن اجتناب أسباب الشقاوة من قبيل التخلية بالخاء المعجمة ، والتخلق ، والأخذ بأسباب السعادة من قبيل التحلية بالحاء المهملة ، والتخلية مقدمة على التحلية في الطبع ، فقدت في الوضع ، ولأنه باجتناب أسباب الشقاوة يتهيأ للأخذ بأسباب السعادة فتأمل . ( قوله : يرزق العلم ويحرم العمل ) أي : وذلك من أقوى أسباب الشقاوة لفقد ثمرة العمل ولذا قدمه ، وقوله : وثانيها يزرق العمل ، ويحرم الإخلاص فيه ، أي وإنما كان هذا من أسباب الشقاوة لحرمان ثمرة العمل وروحه ، حيث لا أجر حينئذ له في مقابلته ، وقوله : وثالثها يرزق صحبة الصالحين الخ أي ، وإنما كان من أسباب الشقاوة لأنه قد دخل كنزا ، وحرم فوائده ، بل اكتسب المضارّ به . ( قوله : سمسار الرجال ) أي فهو مثله في مطلق المعرفة ، وذلك لأنه نفعنا اللّه ببركاته بقوّة نور بصيرته الناشئة عن غاية مجاهدته ثبت له أشراف على ترب مقامات الرجال العظيمة منها ، والأعظم كما يعرف السمسار قدر قيمها . ( قوله : الراحة الخ ) الغرض التحذير عن الطمع في طلب الراحة في الدنيا لكونها جبلت على الكدر ، والكد والتكليف ، وقد أخبر سيد المرسلين بأنها « سجن المؤمن » ، فكيف بعد هذا يطلب المحال ، فما هذا إلا أماني للنفوس لا طائل تحتها ، فالحاذق من يشتغل فيها بعبادة ربه ، ويترك الدنيا خلف ظهره ، واللّه أعلم . ( قوله : لأن المؤمن الخ ) مراده أن يكشف عن معنى كونها سجنا للمؤمن ، ولكنه لحظ في ذلك ناموس التكليف ، فكان العبد به مسجون ، ولك أن تعتبره بالنسبة لما أعده
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم « زهد 1 » والترمذي ( زهد 16 ) وابن ماجة ( زهد 3 ) وأحمد بن حنبل ( 2 ، 197 ، 323 ، 389 ، 485 ) .