وأمي أحب أن تهباني للّه عز وجل فقالا ) لي ( قد وهبناك للّه عز وجل فغبت عنهما مدة ، فلما رجعت كانت ليلة مطيرة فدققت الباب ) عليهما ( فقال لي أبي من ذا قلت :
ولدك أحمد قال : كان لنا ولد فوهبناه للّه تعالى ، ونحن من العرب لا نسترجع ما وهبناه ولم يفتح ) لي ( الباب ) فيه دليل على كمال وفاء أبيه للّه تعالى بما عزم عليه ، ولا ينافي تركه ولده للّه أن يفتح له الباب ، فيراه ويكلمه لكنه خشي على نفسه من تعلق قلبه بما تركه لربه ، فيرجع فيه ، وإذا كان هذا في الولد ، فكيف بغيره من حظوظ النفس . ( وقال ابن الجلاء : من استوى عنده المدح والذم ، فهو زاهد ) لأن الزهد يكون أوّلا في المال ، ثم في الطعام ، ثم في اللباس ، ثم في الاستئناس
شرح
انظر أسباب التوفيق بإحسان الرب الرفيق ، حيث أوجد في قلب الولد داعية العبادة ، وفي قلب الوالدين محبة الإجابة وزيادة ، وهكذا فضل رب الأنعام على من أحب قربه من الأنام رضي اللّه تعالى عنهم ، وأرضاهم عنا . ( قوله : أحب أن تهباني للّه الخ ) أقول هذا من باب مبدأ الفتوح ، إذ هو كل ما يفتح اللّه به على العبد مما كان مغلقا عليه من النعم الظاهرة والباطنة كالأرزاق والعبادات والعلوم والمعارف ، واعلم أن من الفتح الفتح القريب ، وهو ما انفتح على العبد من مقام القلب بظهور صفاته وكمالاته عند قطع منازل النفس ، وهو المشار إليه بقوله تعالى :نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ[ الصف : 13 ] ومن الفتح أيضا الفتح المبين ، وهو ما انفتح عليه من مقام الولاية ، وتجليات الأنوار الأسمائية المغنية لصفات القلب وكمالاته ، المشار إليه بقوله عز سلطانه :إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً[ الفتح : 1 ] ومن الفتح أيضا الفتح المطلق ، وهو أعلاها ، وهو ما انفتح من تجليات الذات الأحدية بعد فناء الرسوم الخلقية ، وهو المشار إليه بقوله جل جلاله :إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ[ النصر : 1 ] فافهم .
( قوله : فقالا لي الخ ) أي فأذنا له محبة في الثمرات الآجلة ، وبغضا للأعراض العاجلة . ( قوله : فيه دليل الخ ) أي وفيه دليل أيضا على مراعاة الولد حق الوالد حيث لم يشغله ما هو فيه من الأنفس عن النفيس امتثالا للأمر ببرّ الوالد رضي اللّه عن الجميع .
( قوله : ولا ينافي الخ ) جواب عما قد يرد . ( قوله : من استوى عنده الخ ) أي فوصف العبد بالزهد ، إنما يكون بعد فناء النفس عن شهود غيره تعالى ذاتا وصفة خيرا وشرا ، وذلك سهل لمن أشرف على مقام الصمدية ، واطلع فيه على أن كل ما سواه تعالى عدم محض ، وأن ما يظهر من حركاتهم ويسند إليهم ، فهو ناشىء عن حكمة باهرة رزقنا اللّه السلامة والتسليم . ( قوله : لأن الزهد الخ ) أقول : لما كان الغرض من المال قضاء شهوة الجسم ، وأقواها شهوة البطن ، ثم الفرج ، وآخرها شهوة اللباس رتبها الشارح ، كذلك نفعنا اللّه بعلومه ، ثم لما رأى المصنف أن أكبر حظوظ النفس حب التقدم والعلو ، والغلبة على