( سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول : سمعت عبد الرحمن بن عبد اللّه يقول : سمعت بعض أصحاب أبي عثمان يقول : سمعت أبا عثمان يقول : صحبت أبا حفص مدة وأنا شاب فطردني مرة ، وقال : لا تجلس عندي فقمت ، ولم أوله ظهري وانصرفت إلى ورائي ، وجهي إلى وجهه حتى غبت عنه ، وجعلت على نفسي ) حين تفكرت ، فلم أجد من أنتفع به سواه ( أن أحفر على بابه حفرة لا أخرج منها إلا بأمره ) ففعلت ذلك وصرت ألازم الحفرة ( فلما رأى ذلك ) الأمر الدال على صبري وشدة رغبتي في الخير ( أدناني ) أي : قربني إليه ( وجعلني من خواص أصحابه ) فانتفعت به ، في ذلك دلالة على قوّة رغبة أبي عثمان في الخير واحتمال ما تلقاه من الأذى في ذلك وهذه وصية المريدين الراغبين في السلوك لأن المشايخ أنما يطردون شخصا لإساءة أدبه ، وقد يطردونه امتحانا ليعرفوا شدة رغبته في الخير ، وفيه دلالة أيضا عى أن المريد إذا أبعده اللّه لزلة لا يذهب مع شهوته ، بل يرجع إليه بالتوبة ، ويلزم الباب بها وبالبكاء ليغفر له ما تقدم ، وروي أن رجلا دعا أبا عثمان إلى ضيافته فلما وافى باب داره قال له : يا أستاذ ارجع فقد ندمت فرجع فلما أتى منزله عاد إليه الرجل وقال : احضر الساعة فقام معه فلما وافى باب داره قال له : مثل ما قال في المرة الأولى ، ثم فعل به كذلك ثالثا ورابعا ، وأبو عثمان يحضر ويرجع فلما كان بعد ذلك اعتذر إليه وقال يا أستاذ أردت اختبارك ، وأخذ يمدحه ويثني عليه فقال له : لا
شرح
( قوله : صحبت أبا حفص الخ ) فيه دلالة على أنه قد فنيت مألوفات النفس منه ، حيث هو مقبل غاية الإقبال على ما به نفعه الأخروي ، فلم يردّه عن ذلك راد من حظوظات النفس . ( قوله : فلما رأى ذلك أدناني ) أي وحيث كان دوام الذل يورث القبول عند المخلوق ، فأولى وأحق بذلك ولي الإحسان والكرم جل شأنه فعلى العاقل أن يدوم على قرع الباب ، عسى أن يكون مع الأحباب ، على أنه في هذه الحالة إنما تذلل لمولاه سبحانه وتعالى . ( قوله : وهذه وصية المريدين ) الإشارة إلى زيادة الرغبة في الخير واحتمال الأذى لأن مدار الانتفاع على ذلك . ( قوله : لأن المشايخ الخ ) علة لقوله ، فلما رأى ذلك مني أدناني . ( قوله : وفيه دلالة أيضا الخ ) أي بالأولى مما قبله ، إذ هو من الوسائل ، وهذا هو المقصود . ( قوله : فلما كان بعد ذلك الخ ) انظر تحمل هذا الإنسان ، وجراءة بعض الإخوان ولكن اللّه هو ولي التوفيق والخذلان . ( قوله : فقال له لا تمدحني الخ ) فيه دلالة على فنائه عن جميع مألوفاته وحظوظه ، فإنه قد أثبت ممثل خلقه لأخس الحيوانات ، وبمثل هذا ترفع الدرجات لأهل العنايات . ( قوله : هذا في نظر قائله الخ ) أي : ويحتمل أن يكون انفرادهم بمزايا لا توجد في غيرهم ، وذلك لا يوجب أفضيلتهم ، ولا يمنع من وجود الأفضل ، وحينئذ فلا حاجة إلا ما ذكره الشارح .