نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 222
فيها بعيد عن المشغلات فارغ القلب لكمال المناجاة . ( وقال أبو بكر العطوي : كنت عند الجنيد حين مات فرأيته ختم القرآن ثم ابتدأ من البقرة وقرأ سبعين آية ثم مات رحمه اللّه ) فيه دليل على كمال اجتهاده أيضا وملازمته أوراده إلى حين موته . ومن كلامه : من طلب عزا بباطل أورثه اللّه ذلا بحق . ( ومنهم أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري ) بكسر الحاء المهملة نسبة إلى ( قوله : ختم القرآن الخ ) انظر يا أخي همة هذا العارف مع قيام أسباب الموت به الشاغلة لغيره بالآلام والآوجاع ، أما مثله رضي اللّه تعالى عنه ، فلا تصل الآلام إلى قلبه ، ولو كانت شديدة ، فهي وإن أثرت في البدن ، فلا تصل إلى القلب وربنا على كل شيء قدير . ( قوله : من طلب عزا الخ ) أي طلب بواسطة نقص يقينه عزا على حسب ما سولت له نفسه الخبيثة بباطل ، مما لم يشهد بصحته عقل ولا نقل ، كعبادة مع رياء مثلا أو ورثه اللّه بعدله جزاء لفعله ذلا حقيقة في الدين والدنيا بحق لوقوعه في مقابلة كسبه الخبيث ، واللّه أعلم . [ ومنهم أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري ] ( قوله : ومنهم أبو عثمان سعيد الخ ) هو شيخ الجماعة ، ومقدم الطائفة إمام جليل ، ومعبر نبيل ، وعارف لا يحتاج نهار فضله إلى دليل سمع الحديث على جماعة ، قال الخطيب : وكان مجاب الدعوة ، وقال أبو نعيم : كان بالحكم منطيقا ، وللمريدين نصيحا شفيقا . ومن فوائده البديعة أنه قال : حق على من أعزه اللّه بالطاعة أن لا يذل نفسه بالمعصية ، وقال : أصل التعلق بالخير قصر الأمل ، وما دمت تتبع شهوتك وإرادتك فأنت مسجون ، فإذا فوضت أمرك إلى اللّه وسلمت استرحت ، وقال له رجل : كنت أجد بقلبي حلاوة ذلك ، وقال : اصحب الأغنياء بالتعزز والفقراء بالتذلل ، فإن التعزز على الأغنياء تواضع ، والتذلل للفقراء شرف ، وقال : من تفكر في الدنيا وزوالها أورثه الزهد فيها ، ومن تفكر في الآخرة وبقائها أورثه الرغبة فيها ، وقال : من أضر به الرجاء حتى قارب الأمن فالخوف له أفضل ، ومن أضر به الخوف حتى قارب اليأس فالرجاء له أفضل ، وقال : طول العتاب فرقة وتركه حشمة ، وقال : علامة السعادة أن تطيع اللّه ، وتخاف أن تكون مردودا ، والشقاوة أن تعصيه ، وترجو أن تكون مقبولا ، ومر بالطريق ومعه صحبة فوقع عليه رماد من كوة فهموا أن يكلموا أهل الدار ، فقال بعد زجر من همّ بذلك : من استحق النار فصولح على الرماد لا يغضب ، وقيل له : متى يكون صادقا في حب مولاه ، فقال : إذا خلا من خلافه فبكى السائل ، ووضع التراب على رأسه ، وقال : كيف أدّعي حبه ولم أخل طرفة عين من خلافه فبكى الحيري وقال صادق في حبه مقصر في حقه ، وخرج يوما فقعد في موضعه الذي يقعد فيه للتذكير ، فسكت طويلا ، فقال له رجل ترى أن تقول في سكوتك شيئا فأنشد : وغير تقيّ يأمر الناس بالتقى * طبيب يداوي والطبيب مريض