إليه ، فهو في كل درجة مرتقب لما هو أعلى منها ، وإنما يطيق حمل الأعلى بما يقدم له من الأسباب المقوّمة له بفضل ربه ، فإذا أعرض عما هو فيه من السلوك ، ونيل الخيرات فقد فاته في حال إعراضه ما هو أفضل من جميع ما ناله ، فإن ما ناله وسيلة لحمل ما لم ينله ( وقال الجنيد : من لم يحفظ القرآن ، ولم يكتب الحديث ) أي من لم يفهم أحكامهما ( لا يقتدى به في هذا الأمر ) أي التصوف ( لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ) والإجماع والقياس يرجعان إليهما ( سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا نصر الأصبهاني يقول : سمعت أبا عليّ الروذباري يقول عن الجنيد : مذهبنا هذا مقيد بالأصول الكتاب والسنة ) أشار أولا بقوله علمنا إلى صحة العلم وثانيا بقوله مذهبنا إلى صحة السلوك ، فلم يستغنوا في علمهم ، ولا عملهم عن الكتاب والسنة بحال ، وفيه وفيما قبله رد على من يعتمد في سلوكه على ما يقع في قلبه من الخواطر ، ويزعم أنها عن اللّه صادقة ، ويستغني عن وزنها بالكتاب والسنة ، وهذا هو الضلال المبين . ( وقال الجنيد : علمنا هذا مشيد بحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنبأنا محمد بن الحسين رحمه اللّه قال : سمعت أبا الحسين بن فارس يقول : سمعت أبا الحسين علي بن إبراهيم الحداد يقول : حضرت مجلس القاضي أبي العباس ابن شريح ، فتكلم في الفروع والأصول بكلام أعجبت منه ، فلما رأى أعجابي ) به ( قال :
أتدري من أين هذا قلت يقول ) أي : يخبر ( به القاضي فقال : هذا ببركة مجالسة أبي القاسم الجنيد ) إذ مجالسة مثله تسعد وتنفع وترفع وجودة الكلام في العلوم إنما تكون بكمال التثبت ، فإذا أخلص العبد في أعماله وجالس الأولياء واستفاد منهم جرت
شرح
الأسباب المقومة له ، أي وهذا هو مما فاته في حالة إعراضه اللحظة المذكورة .
( قوله ، من لم يحفظ الخ ) يريد أنه يشترط لطالب السلوك والترقي لدرجة الملوك أن يعمل بأحكام الشريعة المطهرة بعد علم تلك الأحكام من العلماء الأعلام ، فحينئذ يصح أن يقتدى به في طرق الحقيقة ، فمن ادعى الوصول بغير هذا ، فهو مبتدع لا يرجع إليه ، ولا يعول في شيء عليه . ( قوله : أشار أوّلا الخ ) أي فلا بدّ من استفادة العلم من الكتاب والسنة ، وإيقاع العمل على موجب ذلك العلم ، فمن خرج عن ذلك علما وعملا فهو زنديق . ( قوله : مشيد بحديث الخ ) أي مرتفع بحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أي أن الحديث الشريف هو الكاشف لأسرار الكتاب العزيز تارة ببيان المراد ، وتارة بالتقييد والتخصيص ، وتارة بالنسخ للحكم وغير ذلك ، كما لا يخفى .
( وقوله : فقال ببركة مجالسة الخ ) الغرض من ذلك بعد الحث على الاقتداء بالكتاب والسنة الإرشاد إلى ما به تتم الخيرات ، وتنال درجة أهل السعادات من مجالسة أهل