رحمه اللّه يقول : سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول : سمعت الفرعاني يقول :
سمعت الجنيد يقول : وقد سئل من العارف باللّه ) ( قال ) هذا يغني عنه قوله يقول ( هو من نطق بسرك وأنت ساكت ) وقال غيره هو من غلب عليه دوام الحضور والأدب مع اللّه حتى صار بعبده كأنه يراه ومن اتصف بذلك توالت عليه الكرامات . قال بعضهم :
شرح
العارفين أحسن من التيجان على رؤوس الملوك ، وقال : إن بدت ذرة من عين الكرم والجود ألحقت المسئ بالمحسن ، وبقيت أعمالهم فضلا لهم ، فقال ابن عطاء : متى تبدو فقال : هي بادية قال تعالى : « سبقت رحمتي غضبي » وقال لو كان العلم الذي أتكلم به من عندي لفني لكنه من حق بدأ وإلى حق يعود ، وقال : من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة ، وقال : تنتهي عبادة أهل المعرفة إلى الظفر بنفوسهم ، وقال : من سكن أو شكا لغير اللّه ابتلاه اللّه بحجب سره عنه ، وقال : لا تيأس من نفسك ما دمت تخاف ذنبك وتندم عليه ، وقال : العلم يوجب لك استعماله ، فإن لم تستعمله في مراتبه كان عليك لا لك ، وقال : بلغني أن يونس عليه السلام بكى حتى عمي ، وقام حتى انحنى وصلى حتى أقعد ، ثم قال : وعزتك لو كان بيني وبينك بحر من نار لخضته شوقا إليك ، وقال : التواضع عند أهل التوحيد تكبر ، قال الغزالي : لعل مراده أن المتواضع يثبت نفسه أوّلا ثم يضعها ، والموحد لا يثبت نفسه ، ولا يراها شيئا حتى يضعها أو يرفعها ، وقال :
حسنات الأبرار سيئات المقربين ، ثم أنشد :طوارق أنوار تلوح إذا بدت * فتظهر كتمانا وتخبر عن جمعومرّ يوما ببعض دروب بغداد ، فسمع قائلا يقول شعرا وهو :منازل كنت تهواها وتألفها * أيام كنت على الأيام منصورافقال ما أطيب منازل الألفة وأوحش مقامات المخالفة ، وقال : الفتوّة كف الأذى ، وبذل الندى ، وقال : الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب ، وله من درر الفوائد وغرر العوائد ما لا يحصى ، ولا يمكن أن يستقصى .
توفي ببغداد سنة سبع أو ثمان وتسعين ومائتين وحزر من صلى عليه ، فكانوا ستين ألفا رضي اللّه عنه ، ونفعنا بعلومه ، وبركات أنفاسه . ( قوله : هو من نطق بسرك الخ ) أي ومنشأ ذلك إنما هو المبالغة في المعاملات الباطنية وغاية الإخلاص له تعالى حتى قدس اللّه سره ، وتجلى له باسمه الباطن ، فغلبت روحانيته وأشرف على الغيب وأخبر به ، فهو يدعو الناس إلى الكمالات المعنوية والتقديس ، وتطهير السر ، وترجيح التنزيه على التشبيه ، كما كانت دعوته عليه السلام إلى السماوات والروحانيات ، وعالم الغيب والتقشف والاعتزال والخلوة .
( قوله : وقال غيره هو من غلب عليه الخ ) أقول يرجع لما قبله لأن هذا المقام ثابت