الدنيا ، وترغب فيها قلت قد كان ذلك يا رب ولكني ما اتخذت مجلسا إلا بدأت بالثناء عليك ، وثنيت بالصلاة على نبيك صلى اللّه عليه وسلم ، وثلثت بالنصيحة لعبادك ، فقال : صدق ضعوا له كرسيا يمجدني في سمائي بين ملائكتي ، كما كان يمجدني في أرضي بين عبادي ) فيه تنبيه على أن الأولى لمن يزهد الناس في الحلال أن يكون أوّل زاهد فيه لينتفعوا بحاله ومقاله جميعا ، ولو زهدهم بدون زهده كان فاعلا خيرا ، ولذلك لما سأله مولاه في الرؤيا عن حاله ، وهو أعلم به ، ولم يرتكب إثما وإنما أخذ بكمال فضله فلما اعترف له بفعله ، وذكر له أفضل ما كان يأتي به في وعظه من ثنائه عليه بكمال صفاته ، وصلاته على نبيه ونصيحته لعباده أمر له بجزاء أعماله بأن يمجده بين ملائكته في آخرته ، كما كان يمجده في دنياه بين عباده ، وقال سليم بن منصور رأيت والدي في المنام ، فقلت ما فعل اللّه بك ، فقال : قربني ، وقال : يا شيخ السوء تدري لم غفرت لك قال : لا يا رب قال : إنك جلست للناس يوما مجلسا فابكيتهم فبكى فيهم عبد من عبيدي لم يبك من خشيتي قط فغفرت له ، ووهبت أهل المجلس كلهم له ووهبتك فيمن وهبت له .
( ومنهم أبو صالح حمدون بن أحمد بن عمارة القصار نيسابوري منه انتشر
شرح
ضعوا له كرسيا الخ ) أقول يؤيد ذلك ما ورد من أن الشخص يبعث على ما مات عليه .
( قوله : أن يكون أوّل زاهد فيه ) أي عملا بخبر : « إبدأ بنفسك » ، وليؤثر وعظه في قلب من سمعه قبول موعظته ( قوله : كان فاعلا خيرا ) أي باعتبار المقال ، واللّه يلطف بالحال .
( قوله : أمر له بجزاء أعماله الخ ) من ذلك يؤخذ أن الإنسان قد يقبل منه نوع من أنواع القرب ، ويسامح في غيره مما قصر فيه ، وهذا مظهر من مظاهر الحق سبحانه بسبب الرحمة المدخرة لمن أراد إكرامه من عباده واللّه أعلم . ( قوله : قال إنك جلست الخ ) يدل عليه خبر : « لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم » .