تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
إدراكها لعالم الغيب كالبصر في إدراكه لعالم الشهادة فكما أن البصر كلما كان أصفى من الغشاوات كان أتم إدراكا للمبصرات ، كذلك القلوب كلما كانت أصفى من العيوب كانت أقوى إدراكا للغيوب والنور الذي ينظر به المؤمن قد يكون الفراسة ، وقد يكون نور العلم ، وقد يكون إلهاما منه تعالى ، والفراسة بكسر الفاء من تفرست فيه خيرا وهو يتفرس أي : يتثبت وينظر قاله الجوهري . وقال الواسطي : هي سواطع أنوار لمعت في القلوب ومكين معرفة حملت السرائر في الغيوب حتى يشهد بها العارف الأشياء من حيث أشهده الحق إياها ، فيتكلم عن ضمير الخلق . ومن ذلك ما حكي عن أبي سعيد الخراز قال : دخلت المسجد الحرام ، فرأيت فقيرا عليه خرقتان يسأل الناس شيئا فقلت في نفسي : مثل هذا كل على الناس ، فنظر إليّ وقال :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ
[ البقرة : 235 ] قال : فاستغفرت في سري فناداني فقال :
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ
[ الشورى : 25 ] ( وقال أحمد بن عاصم : إذا طلبت صلاح قلبك فاستعن عليه بحفظ لسانك ) بل وسائر جوارحك من العين والأذن واللمس وغيرها لأن كل جارحة منها توصل إلى القلب ما يدركه من خير وشر . ( وقال أحمد بن عاصم قال اللّه تعالى : )
إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
[ التغابن : 15 ] لكم شاغلة عن أمور الآخرة ( ونحن ) مع علمنا بذلك ( نستزيد من
شرح
( قوله : والنور الذي ينظر به المؤمن الخ ) أي وسبب الكل سر المتابعة لسيد الرسل صلى اللّه عليه وسلم . ( قوله : وقال الواسطي الخ ) أقول يرجع إلى ما قبله إذ الفراسة باعتبار منشئها عليه هي تلك السواطع اللامعة في القلوب ، والعرفان المستفاد من علام الغيوب . ( قوله : هي سواطع أنوار ) هو من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي أنوار ساطعة في القلوب التي هي محل نظر الحق تعالى ، وقوله : ومكين معرفة أي معرفة مكينة ، أي متمكنة حملت السرائر أي قوّتها على الإشراف على الغيوب ، وقوله : حتى يشهد بها العارف الخ يشير بذلك إلى أن الطريق الموصل إلى العلم ، إنما هو المشاهدة التي هي أقوى طرق حصول العلم ، فالعلم الناشئ عنها يقال له جواهر العلوم لأنه لا يقبل تغييرا ولا تبديلا ، كما أشار إليه بقوله : من حيث اشهده الحق إياها ، وقوله : فيتكلم عن ضمير الخلق أي ، فيفصح عما في الضمير لغيره . ( قوله : ومن ذلك الخ ) القصد التحذير من الاعتراض على ما قد يخفى بسبب قوّة الأمراض ، فإن الظاهر قد لا يدل على الباطن ، والصادق قد يلتبس بالمائن ، فالأولى التسليم للخبير العليم والتفويض للرب الحكيم . ( قوله : وقال واعلموا أن اللّه الخ ) فيه إشارة إلى أن ما علمه بإلهامه تعالى . ( قوله : إذا طلبت صلاح قلبك الخ ) إنما خص اللسان بالذكر لعظم جرائمه التي تؤثر في القلب ظلمة زائدة ، فعلى العاقل أن يشغل لسانه
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 206 | الشيخ عبد الله العروسي / عبد الوارث محمد على