من المسلمين بل ومن سائر المعصومين ( وانظر هواك لا تهوى به شيئا من الشر فإذا لم يكن فيك هذه الأربع من الخصال فاجعل الرماد على رأسك فقد شقيت ) إلا أن يتوب اللّه عليك ، وينقلك إلى ما خص به عباده الصالحين . ( وقال ابن خبيق : لا تغتم إلا من شيء يضرك غدا ) أي في الآخرة ( ولا تفرح إلا بشيء يسرك غدا ) فالغم المحمود ما كان على ما فات مما ينفع في الآخرة لا على ما فات من الدنيا والسرور المحمود ما كان بما ينفع في الآخرة لا بما ينفع في الدنيا . ( وقال ابن خبيق : وحشة العباد عن الحق أوحشت ) وفي نسخة أوحش ( منهم القلوب ) فالوحشة بينهم وبين الخلق إنما هي للوحشة بينهم وبين الحق ( ولو أنهم أنسوا بربهم لاستأنس بهم كل أحد ) ببركته تعالى بل قد جاء أن الذئاب كانت تستأنس مع الغنم في زمن عمر بن عبد العزيز ، فلما مات وثبت عليها فانظر كيف أثرت بركة عمر في غيره من
شرح
وإزالتها بمبالغة ، حيث هو محل نظر الحق من الإنسان بشاهد : « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم » ، ولأن باقي الجوارح تابعة له صحة ، واعتلالا بشاهد « ألا وإن في الجسد مضغة » الحديث .
( قوله : وانظر هواك الخ ) أي ميل نفسك إلى الشهوات والعادات بمقتضى ما جبلت عليه من الميل إلى الدناآت ، فاصرفه إلى أنواع الخيرات والطاعات حيث ذلك هو المقصود من إيجادك بشاهد قوله سبحانه :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ الذاريات : 56 ] . ( قوله : فإذا لم يكن فيك هذه الأربع خصال الخ ) أي إذا كنت لم تنظر فيها بما يعدلها ويصلحها ، فاجعل التراب على رأسك أي فدم على الذل والحزن والتحسر . ( قوله : لا تغتم إلا من شيء الخ ) يريد الحث على الاشتغال بالخير الأبدي ، والنعيم السرمدي الذي لا يتم إلا بالإعراض عن الدنيء الفاني من الأغراض الدنيوية ، والحاصل أن الذي ينبغي التحسر على فواته ، إنما هو أنواع الخيرات الدينية لا الشهوات الدنية . ( قوله : فالغم المحمود الخ ) أي فعلى العبد التدارك على حسب الإمكان عسى أن يتعرض لنيل الإحسان . ( قوله : والسرور المحمود الخ ) أي لأن ما ينفع في الآخرة ثمرته عاجلة وآجلة بخلاف ما ينفع في الدنيا .
وبضدها تتميز الأشياء . ( قوله : وحشة العباد عن الحق ) أي توحشهم بالإعراض عن ذكره وشكره ومراقبته بالإجلال والتعظيم ، وأداء المأمورات ، مع اجتناب المنهيات أوحشت منهم القلوب ، أي كانت سببا في قسوة قلوب الخلق عليهم جزاء ، وفاقا بمظهر العدل . ( قوله : ولو أنهم أنسوا بربهم ) أي بدوام الذكر والفكر والشكر ، والمراقبة لاستأنس بهم كل أحد أي بلين قلوبهم لهم ورحمتهم عليهم جزاء وفاقا كذلك ، ودليله أن : « من أحب اللّه أحبه اللّه ، ومن أحبه اللّه خلق محبته في قلوب عباده » .