( ومنهم أبو علي أحمد بن عاصم الأنطاكي ) بفتح الهمزة نسبة إلى أنطاكية بلدة من الشام ( من أقران بشر بن الحرث والسري السقطي والحرث المحاسبي وكان أبو سليمان الداراني يسميه جاسوس القلوب ) أي : البحاث عنها ( لحدة فراسته ) الدال عليها قوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ
[ الحجر : 75 ] أي : للناظرين المتفرسين وخبر : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه » وذلك لما حصل لسره من الصفاء فصار كالمرآة المجلوة يتمثل فيها من صور الغيب ما شاء اللّه ، فإن البصيرة في
شرح
التزين اسم لثلاث معان متزين بعلم ، ومتزين بجهل ، ومتزين بترك التزين ، وهو أغمصها وأحبها إلى إبليس ، وقال : احذر الغيبة ، كما تحذر عظيم البلاء ، فإنها إذا ثبتت في القلب أتتها إخواتها من النميمة والبغي وسوء الظن والبهتان ، وهي مجانبة للإيمان ، وقال : كل نفس مسؤولة فمرتهنة أو متخلصة ، وفكاك المرهون بعد قضاء الديون ، فإذا اتلف المرهون أكدت الديون ، فاستوجبوا السجون ، وقال : أرجع إلى الاستعانة باللّه على شرور هذه الأنفس ، ومخالفة هذه الأهواء ، ومجاهدة هذا العدو ، وقال : من قل صبره على علاج عدوه ساعد عدوه على مجاهدته ، فهو أهل لأن يضحك منه الضاحكون ، وقال :
كفى بالعبد عارا أن يدعي دعوة لا يحققها بفعله ، أو يجعل لغير ربه من قلبه نصيبا أو يستوحش مع ذكره ، وقال : من كان باللّه أعرف كان منه أخوف . كان رضي اللّه عنه من المحدثين روى عن معاوية الضرير والهيثم بن جميل ، ومخلد بن حسين وغيرهم ، وعنه محمود بن خلدون ، وأبو زرعة النصري وجماعة .
( قوله : لحدة فراسته ) أي بواسطة تجلي الحق على قلبه باسمه النور بسبب قوّة صفائه من الحظوظات والكدورات البشرية ، فبذلك يقوى نور البصيرة ، فيشرف على ما غاب من أحوال القلوب وتصرفات الغيوب ، في عالم الملك والملكوت ، فمثله من عنى صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « اتقوا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور اللّه » أي احذروها لأن نظره للأشياء على ما هي عليه بالمدد الإلهي ، والكشف الرباني الذي مثله لا يتطرق إليه خلل ولا يعتريه تغير ، إذ هو من جواهر العلوم ، غير أن ذلك مختلف باختلاف مراتب المقربين بحسب قوّة النور وضعفه لأن الفراسة ، كما قدمنا نور إلهي يفاض في القلوب به يدرك أربابها الأشياء على ما هي عليه بأعين بصائرهم واللّه أعلم . ( قوله : فصار كالمرآة المجلوة ) أي المصقولة بجامع الانطباع في كل ، وقوله : يتمثل فيها من صدر الغيب ، أي ينتقش فيها من الصور الغائبة عن أعمى البصيرة ما شاء اللّه تمثلها فيها ، وقوله : فإن البصيرة أي التي هي عين في القلب يدرك بها المعقولات ، والمعاني الشريفة ، كما يدرك الإنسان بعين رأسه الأشياء المحسوسة ، واعلم أن كدر هذه العين بالمعاني ، كما أن كدر المنظر بالمحسوسات ، وكل ذلك قد أشار إليه الشارح نفعنا اللّه بعلومه .