وخلوصها الزهاد لأن من وصل إلى أن يصبر عن الطعام ثلاثة أيام بلياليها شغلا بالخير لا يليق به خسة الهمة ، وتناول ما يلقيه الناس ولا يأكلونه . ( سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا العباس البغدادي يقول : سمعت أبا عبد اللّه الفارسي يقول : سمعت أبا الحسين الرازي يقول : سمعت يوسف بن الحسين يقول : سمعت أبا تراب النخشبي يقول : ما تمنت نفسي عليّ شيئا قط ) منذ أخذت في الرياضة ( إلا مرة واحدة تمنت عليّ خبزا وبيضا ) على ما هو الغالب على أهل الريف لأنه المتيسر عندهم غالبا ( وأنا في سفري فعدلت عن الطريق إلى قرية ) لآكل ذلك من عند بعض إخواني فأدبني اللّه على كوني فسخت عزمي من ترك تمني الشهوات ( فوثب رجل وتعلق بي وقال كان هذا مع اللصوص فبطحوني وضربوني سبعين خشبة ) لأقر وأنا صابر لقضاء اللّه تعالى ( قال فوقف علينا ) رجل ( صوفي ) يعرفني ( فصرخ ) بأعلى صوته ( وقال ويحكم هذا أبو تراب النخشبي ) وكان معروفا عندهم بالصلاح قال ( فخلوني ) إلى حال سبيلي ( واعتذروا إليّ وأدخلني الرجل ) الذي عرفني ( منزله وقدم إليّ خبزا وبيضا فقلت ) في نفسي لنفسي ( كلها ) أي شهوتك أي ما اشتهيته وفي نسخة كليها ( بعد سبعين جلدة ) ، نبه به على أنه أدب على ما ذكر وأكله هذا لم يكن شهوة ، بل طاعة للمضيف له وجبرا لخاطره . ( وحكى ابن الجلاء ) بمعنى أخبر عن أبي تراب بقوله ( قال : دخل أبو تراب مكة طيب النفس فقلت ) له ( أين أكلت أيها الأستاذ فقال : ) أكلت ( أكلة بالبصرة وأكلة بالنباج وأكلة ههنا ) فيه دليل على كمال صبره عن الطعام ، حتى قطع هذه المسافة بأكلة واحدة فيها ، أو على أن الأرض طويت له فقطع ما بين البصرة ومكة في زمن يسير ، وسئل أبو تراب عن التوكل ، فقال اللّه الذي خلقكم ثم رزقكم ، ثم يميتكم ، ثم يحييكم .
شرح
وبذوق ما أشرنا إليه تعلم حكمة استغنائه عن الأكل هذه المدة ، بل يمكنه ذلك مطلقا . ( قوله : فيه دليل على كمال صبره إلى آخره ) أقول بل على محوه الذي هو إزالة العلل والآفات ، وذلك لا يتحقق إلا برفع أوصاف العبد ورسومه أخلاقا وأفعالا بواسطة تجلي صفات الحق عليه ، كما يشير إليه خبر « كنت سمعه » الحديث .
( قوله : أو على أن الأرض الخ ) يحتمل الحقيقة ، أو أن المراد تسهيل الصعب حتى كان البعيد طوى . ( قوله : وسئل أبو تراب عن التوكل الخ ) أي عن منشئه والباعث عليه ، وما يحقق للعبد الاتصاف به ، فقال اللّه الذي خلقكم الخ ، أي فبالإلتفات إلى أن اللّه تعالى هو الموجود لكل من المرزوق ورزقه ، وأنه المتكفل بالرزق فضلا وكرما بشاهد قوله سبحانه :وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها[ هود : 6 ] يفوّض الأمر له وحده في جميع حركاته وسكناته ، وكل شيء عنده بمقدار .