( ومسكنه حيث نزل ) أي مكان يكنه فعلم أن الفقير إنما يأخذ من منافع الدنيا ما دعت إليه ضرورته أو حاجته ، لكن حاله يختلف بالنظر إلى الصحة والمرض والسفر والحضر والاجتماع بالناس ، والانفراد عنهم فما يأخذه في صحته من الطعام قد لا يوافقه في حال مرضه ، وقس بذلك البقية . ( وقال أبو تراب : إذا صدق العبد في العمل ) الشامل لعمل اللسان والقلب والجارحة ( وجد حلاوته ) ولذته ( قبل أن يعمله فإذا أخلص فيه وجد حلاوته ولذته وقت مباشرة الفعل ) والمراد بالصدق الجد في إصابة الحق فإن كان في اللسان ، فهو الإخبار عن الشيء بما هو عليه ، أو في القلب فقوة العزم وشدّة الحمل على الإيقاع بلا فتور أو في الجارحة فكمال النشاط ، وعدم الكسل والملال . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه اللّه يقول : سمعت جدي إسماعيل بن نجيد يقول : كان أبو تراب إذا رأى من أصحابه ما يكره زاد في اجتهاده وجدد توبته ) لنسبته النقص إلى نفسه لأنه المتبوع ( ويقول ) لنفسه ( بشؤمي دفعوا إلى ما دفعوا إليه ) بضم الدال فيهما أي مما كرهته منهم فيه دلالة على كمال اقتدائهم به في أعماله فإذا رأى منهم فترة عما يشير به عليهم نسب النقص إلى نفسه .
( كأن اللّه عز وجل يقول : إن اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) جعل تغيير
شرح
واتفق له وجوده جعله قوته ، بل ، ولولا توقف الحياة بحسب جري العادة على ذلك لما شغل بذلك وقته واللّه أعلم . ( قوله : لكن حاله يختلف الخ ) محصله أن الضرورة ، أو الحاجة تختلف باعتبار الأحوال والأوقات ، فتقدر بقدرها . ( قوله : إذا صدق العبد الخ ) يؤخذ من كلامه أن الصدق أقوى تأثيرا من الإخلاص حيث تسبب عنه وجود الحلاوة قبل الفعل ولا مانع منه بعد ، حمل الشارح معناه على الجد في إصابة الحق . ( قوله : وجد حلاوته ) لعل المراد قوّة الإقدام على الفعل ، والنشاط إليه وبذلك يكون جدّه واجتهاده فيه بأن يعمل بدون تراخ وفتور ، وبالضد يعلم حكم ضده . ( قوله : فإذا أخلص فيه ) أي بقوّة يقينه ودوام مراقبته ، وجد حلاوته ولذته وقت مباشرة الفعل بواسطة التنوير القلبي الحاصل له بسبب الإخلاص .
( قوله : كان أبو تراب الخ ) من ذلك يعلم أنه بزيادة كمال المرشد يزداد حفظ الاتباع والمريدين ، وذلك قريب لأنه بمقابلتهم لأنواره يزداد نورهم وهداهم ، أي وبعروض خلاف ذلك للمرشد من تراخ أو غفلة ، مما يجوز في حقه يحصل لمريده منه تأثر واللّه أعلم . ( قوله : لنسبته النقص الخ ) فيه دلالة على قوّة اتهامه لنفسه ، وذلك لقوّة ورعه في عدم الثقة بصدقها . ( قوله : يقول لنفسه بشؤمي الخ ) أي لأنه بواسطة دوام نظره في مرآة نفسه المصقولة بكثرة التعهد ، التفتيش عن خداعها ومعايبها الخفية لا يأمن لها ، ولا يثق بها رجوعا في ذلك إلى خبر : « المؤمن مرآة المؤمن » . ( قوله : فإذا رأى منهم فترة الخ ) أي لأن قوة حال المتبوع لها تأثير في التابع ، وبالضد يكون حكم الضد .