عنه ، فقام المريض ، وخرج معنا وأصبحنا كلنا أصحاب فرش نعاد .
( ومنهم أبو تراب عسكر بن حصين النخشبي ) بفتح النون والشين المعجمة ، وإسكان الخاء المعجمة نسبة إلى نخشب بلدة بما وراء النهر ( صحب حاتما الأصم وأبا حاتم العطار المصري مات سنة خمس وأربعين ومائتين قيل مات بالبادية نهسته ) بإهمال السين أكثر من إعجامها ( السباع ) أي أخذت لحمه بمقدم أسنانها ( وقال ابن الجلاء صحبت ستمائة شيخ ما لقيت فيهم مثل أربعة أولهم أبو تراب النخشبي قال أبو تراب : الفقير قوته ما وجده ) مما يقيم صلبه ( ولباسه ما ستره ) من أي نوع كان
شرح
إلا بكنيته ، كان شيخ عصره بالاتفاق جامعا بين العلم والدين والزهد والتصوف بلا شقاق متقشفا متوكلا متخشعا متبتلا ، قد أضاء في سماء المعالي بدره ، واشتهر في الآفاق حسنه له الرياضات المذكورة في السياحات المشهورة ، صحب حاتما الأصم والخواص والطبقة ، وكتب الحديث الكثير ، وتفقه على مذهب الشافعي ، وأخذ عنه أحمد بن حنبل ، وابن الجلاء وآخرون من الأجلاء ، قال ابن الجلاء : لقيت ستمائة شيخ ما رأيت فيهم أربعة أولهم أبو تراب ، ووقف خمسا وخمسين وقفة بعرفة ، ومر به بعض الأمراء وهو يحلق رأسه وأعطاه ألف دينار ، فقال : ادفعها للمزين فردها المزين فردها أبو تراب ، وكان إذا وجد من اتباعه فترة جدد توبة ، وقال : بشؤمي وقعواإِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ[ الرعد : 11 ] ، وقال : لقيت غلاما في التيه يمشي بلا زاد فقلت في نفسي إن لم يكن معه يقين وإلا هلك ، وقلت : يا غلام في مثل هذا الموضع بلا زاد ، فقال : يا شيخ ارفع رأسك هل ترى غير اللّه قلت الآن اذهب حيث شئت .
ومن فوائده أن اللّه ينطق العلماء في كل وقت بما يشاكل أعمال ذلك الزمن ، وقال : إذا تواترت على أحدكم النعم فليبك على نفسه ، فإنه قد سلك به غير منهج الصلحاء ، فإن أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، وقال : العارف الذي لا يكدره شيء ويصفو به كل شيء ، وقال : الناس يحبون ثلاثة ، وليست لهم : النفس والروح وهما للّه ، والمال وهو للورثة ، ويطلبون اثنين ولا يجدونهما الفرح والراحة ، وهما في الجنة . واتفق له رضي اللّه عنه أنه نظر إلى صوفي مد يده إلى قشور بطيخ ، وكان قد طوى ثلاثة أيام فقال : تمد يدك إلى هذا لا يصلح لك التصوف اذهب إلى السوق ، وقال : إذا الفت القلوب الإعراض عن اللّه تعالى صحبتها الوقيعة في الأولياء ، وقال : من شغل مشغولا باللّه أدركه المقت للوقت ، وقال : شرح التوكل طرح البدن في العبودية ، وتعلق القلب بالربوبية والطمأنينة إلى الكفاية فإن أعطى شكر ، وإن منع صبر ، وقال : صحبت مائة شيخ ، ما نفعني شيء مثل سد رأس الجراب يعني القنع ، والتقلل من الدنيا ، وله فوائد أخرى هي الفرائد فارجع إليها إن شئت ، واللّه المستعان .
( قوله : الفقير قوته ما وجده ) أي لعدم التفاته إلى غير الأهم من شأنه ، فكل شيء صادفه