تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
لأنه لما أعطي المال الكثير رده اللّه إلى الفقر لطفا به ، ولعله إنما تكلم على تفضيل الغنى على الفقر بالنظر للحاضرين من الأغنياء ، فحثهم بذلك على التفضلات والمبرات ليواسوا الفقراء ، وروي عنه أن رجلا قال له : إنك لتحب الدنيا فقال : أين السائل عن الآخرة قال : ها أنا قال : أخبرني عنها أبالطاعة تنال أم بالمعصية قال : لا بل بالطاعة قال : أخبرني عن الطاعة أبا الحياة تنال أم بالممات قال : لا بل بالحياة قال : فأخبرني عن الحياة أبالقوت تنال أم بغيره قال : بل بالقوت قال : فأخبرني عن القوت أهو من الدنيا أم من الآخرة قال : لا بل من الدنيا قال : فكيف لا أحب دنيا قدر لي فيها قوت أكتسب به حياة أدرك بها طاعة أنال بها الآخرة فقال الرجل أشهد أن ذلك معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن من البيان سحرا » . ( أخبرنا عبد اللّه بن يوسف الأصبهاني ، قال : أخبرنا أبو القاسم عبد اللّه بن الحسين ابن بالويه الصوفي قال : سمعت محمد بن عبد اللّه الرازي يقول : سمعت الحسين بن علوية يقول : سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقال : من خان اللّه ) تعالى في معاملته ( في السر ) بالمراءاة
شرح
الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى[ العلق : 6 ، 7 ] . ( قوله : وروي عنه أن رجلا الخ ) في هذه القصة دلالة على قوّة علمه وذكاء قريحته ، حيث توصل بالفاني للباقي وبالخسيس للشريف ، وبالدنيء للعلي ، وبغير المنظور إلى المنظور بطريق لا تمكن فيه معارضته ، ولا تتأتى مخالفته لا ببرهان عقلي ، ولا بدليل نقلي ، ولذا قال له الرجل : إن من البيان سحرا ، فأشار إلى أن ذلك من التلبيس حيث هو من السحر الخسيس . ( قوله : من خان اللّه في السر الخ ) السر مقابل العلانية ، واعلم أن السر يطلق في اصطلاحهم على ما يخص كل شيء من الحق عند التوجه الإيجادي المشار إليه بقوله تعالى :إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[ النحل : 40 ] ولهذا قيل لا يعرف الحق إلا الحق ، ولا يحب الحق إلا الحق ، ولا يطلب الحق إلا الحق ، كما أشار إليه النبي صلى اللّه عليه وسلم حيث قال : « عرفت ربي بربي » ويطلق السر على سر العلم وهو حقيقة سر العالم به لأن العلم عين الحق في الحقيقة غيره بالاعتبار ، وعلى سر الحال وهو ما يعرف من مراد اللّه فيها ، وعلى سر الحقيقة وهو ما لا يفشي من حقيقة الحق في كل شيء ، وعلى سر التجليات ، وهو شهود كل شيء في كل شيء ، وذلك بانكشاف التجلي الأوّل للقلب ، فيشهد الأحدية الجمعية بين الأسماء كلها لاتصاف كل اسم بجميع الأسماء لاتحادها بالذات الأحدية ، وامتيازها بالتعينات التي تظهر في الأكوان التي هي صورها ، فيشهد كل شيء في كل شيء ، والمراد هنا بالسر هو ما قابل العلانية لا غير ، وإنما ذكرنا ما قيل في السر بالنظر لظاهر التعبير ليتأمله البصير الخبير . ( قوله : من خان اللّه الخ ) الخيانة ضد الأمانة وهي تتحقق بالخروج عن المأمورات ، والدخول في المقاصد بالحظوظات .
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 187 | الشيخ عبد الله العروسي / عبد الوارث محمد على