تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
تشغلها في كل وقت بما هو أولى بها ) إذ حياة العبد في الدنيا رأس ماله ، وهي في الحقيقة نفسه ، فإن ضيعها في البطالات والمكروهات ، فقد خسرها ، وإن شغلها بالخيرات والتقرب إلى اللّه تعالى ، فهو الرابح عليها ، وأجل ما يربح عليها ولها إذا شغلها في كل وقت بما ذكر ، ولذلك قيل الصوفي ابن وقته لا نظر له إلى ماض ، ولا إلى مستقبل لأنه إذا اشتغل بالماضي ضيع ما هو فيه ، والمستقبل لا يعلم حاله كيف هو فيه . ( وقيل إن يحيى بن معاذ تكلم ببلخ في تفضيل الغنى على الفقر ) من حيث أن النفع المتعدي أفضل من القاصر ( فأعطي ثلاثين ألف درهم فقال له بعض المشايخ : لا بارك اللّه له في هذا المال ، فخرج إلى نيسابور فوقع عليه اللص وأخذ منه ذلك المال ) فيه تنبيه على تفضيل الفقر على الغنى من حيث أن فيه عمارة القلوب وفراغها لمناجاة اللّه تعالى وسيأتي ذلك في بابه ، والغرض من ذلك بيان فضيلة يحيى
شرح
أن ثمرة الإجتهاد في تحصيل الدنيا الوصول إلى المشتهيات منها ، ومعظم ذلك شهوة البطن والفرج ، وهو سعي في طلب ، فإن لمثله من الجسم بخلاف ما إذا اشتغل بما خلق له من العلوم والمعارف ، وحصل ثمرتهما من العمل ليصل إلى درجة المشاهد بدوام المراقبة ، فإن سعيه لنيل باق لمثله ، وهو الروح وشتان ما بين المطلبين . ( قوله : أجل الخ ) أفعل ليس على بابه ، وإنما ذكره باعتبار المألوف للتقريب للعقول . ( قوله : فقد خسرها ) أي حيث عرضها للهلاك . ( قوله : الصوفي ابن وقته ) أقول مرجعه إلى أن الكامل في التدبير ينتهز فرصة الأوقات بأداء ما قصد منه فيها من الطاعات ، إذ النظر في الماضي لا يجدي ، والتسويف بالمستقبل قد لا يعيد فيه ولا يبدي ، فإنه قد يكون الفوات بحلول هاذم اللذات . ( قوله : لأنه إذا اشتغل بالماضي الخ ) أقول يعلم من ذلك أن ما فات العبد من أعمال الخير لا يمكن تداركها ، وهو كذلك فاللّه يمنحنا التوفيق للعمل بما يرضيه . ( قوله : كيف هو فيه ) أي من صحة أو مرض أو موت أو حياة . ( قوله : في تفضيل الغنى الخ ) أقول من بقية كلامه يفهم أن مراده الغنيّ الموفق للبذل ، ومع هذا فكأن المقام اقتضى ذلك عنده ، وإلا فالغنى من حيث هو قد يكون سببا في الامتحان ، فلا يبعد القول بكراهته ولا سيما إذا نظرنا إلى أن الدنيا مكروهة له تعالى لا يرضاها لكمل عباده وأحبائه . ( قوله : من حيث أن النفع المتعدى الخ ) الذي يظهر من ذلك أنه قد اعتبر حاجة لغير في الدنيا ، وأنت خبير بأن حاجة النفس أهم ، والفقر أقرب في تحصيلها من الغنى فتدبر . ( قوله : فيه تنبيه الخ ) أي من حيث الدعاء عليه بعدم البركة فيه ، واستجابة الدعاء بوقوع اللص عليه ، وأخذه المال منه ، ويعلم من ذلك أن التجرد هو المختار له . ( قوله : لطفا به ) أي باعتبار شأن الغني من الاطغاء المشار إليه بقوله سبحانه وتعالى :كَلَّا إِنَّ