هم فيه عن الطعام ( وقال : يحيى القوت ) لما تعلق به القلب ( أشد ) على النفس ( من الموت لأن القوت انقطاع عن الحق والموت انقطاع عن الخلق ) وذلك لأن الموت معلوم والعبد ينتظره ويتهيأ له ، فخف أمره بخلاف ما تعلق به القلب ، وليس معلوما واجتهد في تحصيله ثم فاته فإن ألمه عليه شديد « وإن كان الفائت عظيما » ، فالألم عليه أشد ولا أعظم من اللّه تعالى ، فمن اجتهد واشتغل بجميل تقواه ودام ذكره لمولاه ففاته الوصول ، وحجب عنه لسبب من الأسباب فألمه أشد الآلام ، ولذلك قال بعضهم : اللهم إن عذبتني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب ( وقال يحيى : الزهد ) أي : علاماته ( ثلاثة أشياء : القلة ) من المال ( والخلوة ) عن الخلق ( والجوع ) بقلة أكل الطعام ، وما ذكره بعض الدنيا المزهود فيها لأنها غير محصورة في المال والطعام ، ومخالطة الخلق ( وقال يحيى : لا تربح على نفسك بشيء أجل ) وأعظم ( من أن
شرح
إلى مقام الصديقية مع قوّة اليقين ، واخلاص النية ، والتبري من الحول والقوة ، وقوله :
تكرمة أي كرامة أكرمهم اللّه بها ، حيث شغل نفوسهم بالأنفس من ذكره ومراقبته ، وغيرهما من مشاهد كرامته . ( قوله : تكرمة من اللّه لهم ) أي لكونه صدر عنهم باختيارهم بسبب اشتغالهم بالذكر الذي هو غذاء أرواحهم . ( قوله : الفوت لما تعلق به القلب الخ ) أي فأولى ما ينحسر عليه العبد ، ويحزن على ضياعه فوات ما كان سببا للقرب مما يحصل به المرغوب ، ويتوصل بسببه إلى المطلوب ، مما يدوم نفعه من جزاء الأعمال ، ولذا قيل ليس المصاب ، من فقد الأحباب إنما المصاب من حرم الثواب .
( قوله : أشد من الموت ) أي موت المشغول بالعاجل ، إذ غاية ما يترتب على موته فوات عرض فان كما لا يخفى . ( قوله : لأن الفوت انقطاع عن الحق الخ ) أي وفرق ما بين فائت إذا تم وحصل دام ، وغيره مما ينعدم بمر الأيام . ( قوله : ولا أعظم من اللّه تعالى ) أي ويلزم من ذلك أنه لا أعظم مما يقرب إليه . ( قوله : فلا تعذبني بذل الحجاب ) أقول إنما كان الحجاب ذلا لأن من ذاق معالي القرب ، ثم حرم الوصول إليها كان في غاية الذل ، ولهذا من الشاهد دليل بل شتان ما بين الحالين ، واللّه أعلم .
( قوله : الزهد أي علاماته الخ ) أي يتعرف حال مدعي الزهد بثلاثة أشياء القلة أي التقلل من الدنيا ، والخلوة ، أي العزلة بقصد العبادة ، والجوع أي الاقتصار من الأكل على قدر الحاجة ، أو الضرورة استغناء عن الزيادة بالذكر الذي هو غذاء الروح . ( قوله : وما ذكره بعض الدنيا الخ ) أقول هو ، وإن كان بعضا غير أنه لما كانت المفاسد البالغة تنشأ عن شهوة الفرج والبطن ، وبذلك يشتد الحجاب اقتصر على ما ذكره حيث كان رادا عنهما ، وهو بهذا الاعتبار كأنه ذكر جميع الدنيا . ( قوله : لا تربح الخ ) أي ، فالذي ينبغي للإنسان العاقل أن ينظر إلا ربح لنفسه ، فيسلك سبيل تحصيله ، إذ من المعلوم بالضرورة