الهوى وقطعه النفس عن شهواتها ( وموتا أخضر وهو طرح الرقاع بعضها على بعض ) للتستر بها سمي أخضر بلون لباس أهل الجنة لأنه شعار الصالحين ، فإن العبد إذا قلل في اللباس بأن لم يكن له فيه غرض إلا ما يستر به عورته ، وإن تقطع مما عليه موضع التقط رقعة وغسلها بالماء وتستر بها جوزي بما وعد اللّه به السابقين كما قال تعالى :
وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً
[ الإنسان : 12 ] وقال تعالى :
عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ
[ الإنسان : 21 ] ومن كلام حاتم : الزم خدمة مولاك تأتيك الدنيا راغمه والآخرة راغبة وتعهد نفسك في ثلاث مواضع : إذا عملت فاذكر نظر اللّه إليك ، وإذا تكلمت فانظر سمع اللّه إليك ، وإذا سكت فانظر علم اللّه فيك .
شرح
( قوله : وموتا أخضر ) أي : باعتبار ما يترتب عليه من حلل الجنة المعدة للصابرين على التقلل في الدنيا من اللباس . ( قوله : فإن العبد إذا قلل الخ ) أي فقد مات الموت الأخضر ، وذلك لاخضرار عيشه بالقناعة ونضرة وجهه بنضار الجمال الذاتي الذي يحيي به السالك ، ويستغني به عن التجمل العارض ، ولذا قيل شعر :إذا المرء لم يدنس من اللوم عرضه * فكل رداء يرتديه جميلولإمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه شعر :لئن كان ثوبي فوق قيمته الفلس * فلي فيه نضر دون قيمتها الأنس
فثوبك شمس تحت أنواره الدجى * وثوبي ليل تحت ظلمته الشمس( قوله : جوزي الخ ) جواب إذا قلل الخ .
( قوله : وجزاهم بما صبروا ) أي : بسبب صبرهم ، وهو حبس النفس على ما به الكمال الآخروي وإن لم يلائم النفس . ( قوله : وإستبرق ) هو نوع من الحرير رفيع .
( قوله : ومن كلام حاتم الخ ) يريد أنه بدوام الامتثال كما يصل به إلى الخيرات الحسان في العقبى ، فهو يصل به إلى العرض الفاني في الدنيا ( قولن : تأتيك الدنيا راغمة ) أي : قهرا ، والمراد من غير حساب ومن غير كد وتعب ، وقوله : والأخرى راغبة أي طالبة لك مسهلة أسبابها بدون مشقة ، إذ التخلق بالدوام عليه يصير خلقا . ( قوله : إذا عملت فاذكر نظر اللّه إليك ) أي : فارفع عملك موقع الإخلاص بالتفاتك إلى أنه تعالى ناظر إليك وعالم بحركاتك وسكناتك ، وذلك حمل على العمل بإحدى درجتي الإحسان المشار إليها بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » . ( قوله : وإذا تكلمت فانظر سمع اللّه إليك ) أي فلا تتكلم إلا إذا تحقق عندك خبرية القول بشاهد الشريعة المطهرة ، وإلا كان إثما أو إرتكابا
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( إيمان 37 ) ( تفسير سورة 31 ، 2 ) ومسلم ( إيمان 1 ، 5 ، 7 ) والنسائي ( إيمان 5 ، 6 ) .