( فقال ) لها ( حاتم ) لما أدرك منها ذلك ( ارفعي صوتك ) بكلامك ( فأرى من نفسه أنه أصم ) رحمة لها وشفقة عليها ( فسرت المرأة بذلك وقالت إنه لم يسمع الصوف فغلب عليه اسم الصمم ) وفي نسخة اسم الأصم ، وحدث بذلك من يقتدى به من تلامذته ليسلك مسلكه في الشفقة على الخلق ودفع ما يؤلمهم عنهم . ( أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي رحمه اللّه قال : سمعت أبا علي سعيد بن أحمد يقول : سمعت أبي يقول : سمعت محمد بن عبد اللّه ) وفي نسخة عبد وفي أخرى عبيد ( يقول : سمعت خالي محمد بن الليث يقول : سمعت حامدا اللفاف يقول : سمعت حاتما الأصم يقول : ما من صباح ) يمر بي ( إلا والشيطان يقول لي : ما ذا تأكل وما ذا تلبس وأين تسكن فأقول له آكل الموت وألبس الكفن وأسكن القبر ) فيه تنبيه على أنه ينبغي للإنسان أن يقصر أمله ، وقيل له مرة من أين تأكل فقال :
وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ
[ المنافقون : 7 ] ( وبإسناده ) المذكور ( قيل له ألا ) بمعنى هل ( تشتهي ) شيئا ( فقال أشتهي عافية يوم إلى الليل فقيل له : أليست الأيام كلها عافية ) فكيف لا تكون أنت في عافية ( فقال إن عافية يومي أن لا أعصي اللّه فيه ) . فإنه العافية الكبرى أي : التي لا مرض بعدها وهي السلامة من العقاب وأسبابه ( وحكي عن حاتم الأصم أنه قال : كنت في بعض الغزوات فأخذني ) ( شخصتركي فأضجعني للذبح ) وجلس على صدري وأخذ بلحيتي وأخذ في إخراج السكين من خفه ( فلم يشتغل به )
شرح
حدوث ما يستحى منه غالبا ، وقولهم : أن الخجل بالحمرة ، والوجل بالصفرة في غير الصفراوي كما لا يخفى . ( قوله : فأرى من نفسه الخ ) أي فأظهر من نفسه أن أصم .
( قوله : رحمة الخ ) أي وعملا بخبر : « إن اللّه ستير يحب من عباده الستيرين » ، وخبر :
« تخلقوا بأخلاق اللّه » . ( قوله : فغلب عليه الخ ) أي لاستصحابه إظهار الصمم . ( قوله :
ودفع ما يؤلمهم ) أي عملا بخبر : « الخلق عيال اللّه ، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله » واللّه أعلم . ( قوله : ما من صباح الخ ) الغرض التنفير والتحذير من مثل ذلك بإشارة أنه عن عمل الشيطان ، والعاقل يطلب رضا الرحمن . ( قوله : آكل الموت الخ ) المراد الإعراض عن الدنيا بجميع ما فيها بدوام ذكر الموت وما بعده . ( قوله : ولكن المنافقين لا يفقهون ) يشير بها إلى أن من شأن المنافق عدم الوثوق بما عنده تعالى مع أنه يثق بما في يده ، فهو على غاية الجهل والحمق أعاذنا اللّه من ذلك .
( قوله : إن عافية يومي الخ ) يرشد إلى أنه لا ينبغي أن يفهم من معنى العافية إلا العافية من ذات الدين لا البدن ، وفيما ذكره هضم لنفسه ، حيث أشار إلى أنه لم يتخلص من المخالفات هذا الزمن . ( قوله : أن لا أعصي اللّه فيه ) أي وذلك لأن الإنسان لا يخلو من قصور أو تقصير عن القيام بشكر النعم الإلهية . ( قوله : كنت في بعض الخ ) في هذه