فخبأت إحدى يدي من البرد وبقيت الأخرى ممدودة ) للدعاء ( فغلبتني عيناي فهتف بي هاتف ) فقال لي ( يا أبا سليمان قد وضعنا في هذه ما أصابها ) من الخيرات ( ولو كانت الأخرى ) ممدودة ( لوضعنا فيها ) مثل ذلك ( فآليت ) أي : فحلفت ( على نفسي أن لا أدعوه إلا ويداي خارجتان حرا كان الزمن أو بردا ) فيه تنبيه على أنه ينبغي للعبد إذا دعا أن يستفرغ كليته بقلبه وجوارحه وإقباله على ما أمر بالإقبال عليه وبسط اليدين في الدعاء ( وقال أبو سليمان نمت عن وردي ) في العبادة ( فإذا أنا بحوراء ) جميلة من الحور العين ( تقول لي تنام وأنا أربى لك في الخدور ) أي : الستور ( منذ خمسمائة عام ) أعدني اللّه لك جزاء قبل أن تعمل ( أخبرنا عبد اللّه بن يوسف الأصبهاني قال :
أخبرنا أبو عمرو الجولستي قال : أخبرنا محمد بن إسماعيل قال : أخبرنا أحمد بن أبي الحواري قال : دخلت على أبي سليمان يوما وهو يبكي ) بكاء محبة وشوق للوصول لا بكاء فرح وسرور بالنعم ولا بكاء شكر للقبول ( فقلت له ما يبكيك فقال ،
شرح
الخير الإلهي على حسب المشقات ، وأنه وقع له ما يشهد بذلك أي ، ويرشد إليه أيضا خبر : « الأجر على قدر النصب » . ( قوله : فهتف بي هاتف الخ ) أي بالهام إلهي بواسطة تنوير الباطن بقوّة اليقين . ( قوله : خارجتان ) أي بارزتان عن الساتر . ( قوله : أن يستفرغ كليته الخ ) أي وإذا كمل له ذلك شغله عن الحر والبرد فربما لا يحس بهما .
( قوله : نمت عن وردي الخ ) أي غلبني النوم فتركته ، وقوله : فإذا أنا بحوراء سميت بذلك لاتساع سواد عينيها واتساع بياضهما ، وقوله : جميلة من الجمال ، وهو تناسب الأعضاء تقول لي تنام على حذف الهمزة من تنام ، وأنا أربي لك من التربية ، وهي إبلاغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا فالمعنى اهيأ لك . ( قوله : أعدني اللّه لك جزاء الخ ) أي باعتبار سابق تقدير التوفيق ، فلا يقال الجزاء يترتب على صدور الأعمال بالفعل . ( قوله :
وهو يبكي الخ ) أقول الغرض من ذكر هذه القصة بيان ما كان عليه نفعنا اللّه به من الشوق إلى رفيع المقام ، ودخول معسكر هاتيك الخيام ، والعد في جملة الواصلين إلى السلام بسلام ، ممن روق لهم شراب المحبوب ، فحثوا بالكاسات فوق المطلوب ، ثم ناداهم رسول الحبيب هلموا إلى حضرة العزيز القريب ، فأقبلوا مجدين بالسير المسير بواسطة إعانة اللطيف الخبير ، حتى وصلوا إلى مقام التنزيه والتقديس ، فشاهدوا في كل شيء أنفس كل نفيس ، وذلك بعد أن اميطت لهم حجب العظمة والجلال ، وكشفت لهم الستائر عن الجمال ، فتاهوا بعز الدلال ، وسكروا بمظاهر صور الجمال ، فسعدوا بظهور شمس ذات الأحدية ، وبزوغ قمر أهلة الصمدية ، فعند ذلك زاد منهم الأنين ، فغلب البكاء ورقي الحنين ، فناداهم رسول سر الاخلاص طيبوا نفوسا ، فلا عتب ولا قصاص ، فداموا على موائد القرب والتخصيص ، حتى وجدوا ما وعدوا من النعيم بالتنصيص رضي اللّه تعالى