تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
سكنت الدنيا القلب ) بأن كمل اشتغاله بها ( ترحلت منه الآخرة ) فلم يتفكر في أعمالها ، ولم يستعد لها ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن ) محمد بن الحسين ( السلمي رحمه اللّه يقول : سمعت الحسين بن يحيى يقول : سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول : سمعت الجنيد يقول : قال أبو سليمان الداراني ربما يقع في قلبي النكتة ) أي : كلمة الحكمة ( من نكت القوم أياما فلا أقبلها ) ( منه ) أي : لا أستحسنها منه ( إلا بشاهدين عدلين ) أي ( الكتاب والسنة ) ولم يكتف بأحدهما احتياطا لجواز أن يكون أحدهما مخصصا أو ناسخا أو مبينا للآخر ( وقال أبو سليمان أفضل الأعمال خلاف هوى النفس ) أي : ما ليس للنفس فيه هوى إذ العمل الذي ينشئه عامله على الصدق والإخلاص أفضل الأعمال ( وقال لكل شيء علم ) بفتح العين واللام أي : علامة ( وعلم الخذلان ) أي : علامته ( ترك البكاء ) والتوبة والتضرع ممن هو مذنب أو مقصر
شرح
إليها واشتغاله بها ترحلت منه الآخرة ، أي لم يجعل اللّه له التفاتا إليها لأنهما ضرتان ، فمتى أرضيت واحدة أغضبت الأخرى « ما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه » ، ومن ذلك كان حجاب الميل إلى الدنيا أشد الحجب المانعة من الخيرات الدينية والدنيوية . ( قوله : ربما يقع في قلبي الخ ) أي ربما أسمع الكلمة والحكمة عن بعض الصالحين ممن اشتهر بالخير فيشهد قلبي بحسنها لتأثيرها فيه فلا أقبلها منه الخ ، أي فلا أكتفي باستحسان قلبي اتهاما لنفسي بسبب بقاء بعض الحظوظ ، حتى أعرضها على شاهدين عدلين وهما الكتاب والسنة ، فإن شهد إلي بحسنها أقدمت وإلا أحجمت ، قال بعضهم : ويقال لهذا المقام المطلع والإعراف ، وهو مقام الإشراف على الأطراف قال تعالى :وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ[ الأعراف : 46 ] ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم « لكل آية ظهر وبطن وحد ومطلع » فافهم . ( قوله : ربما يقع في قلبي الخ ) قال بعضهم : ونهاية مقام القلب هو الأفق المبين فافهم . ( قوله : أفضل الأعمال خلاف هوى النفس ) أي العمل الذي لا ميل للنفس له ، ولاحظ لها فيه يثيب اللّه تعالى عليه أكثر مما لها فيه حظ ، وقوله : إذ العمل أي المتعلق بالجوارح الظاهرة والباطنة الذي ينشئه عامله على الصدق الخ أي مخلصا فيه فانيا عن مراده أفضل الأعمال ، أي لما فيه من ارغام النفس الذي مدار الوصول عليه ، وذلك علة لقوله أفضل الأعمال خلاف هوى النفس ، أي ما خالف هواها من الأعمال . ( قوله : وعلم الخذلان الخ ) أي علامة الرد وعدم القبول ، وعدم التوفيق ترك البكاء أي ترك تحزن القلب وتوجعه على ما هو نعته من فعل معصية ، أو قصور من درجة كمال ، ويؤخذ منه أن البكاء من أجل ذلك ينشأ عنه صدق التوبة ، والنهوض إلى سني الأحوال ، وعلى المقامات فعلى العبد بذل الوسع ، والاجتهاد في الرجوع إلى مولاه باخلاص التوبة ، وبعد ذلك عليه أن يجتهد في طاعة ربه ليتهيأ لقرع باب الفتاح العليم .