والمعصية فكنت أخلو ) أي : أحب الخلوة ( فبعثوا بي ) أي : أهلي ( إلى الكتاب ) لأتعلم فيه القرآن ( فقلت ) لهم ( إني لأخشى أن يتفرق عليّ همي ) ولكن شارطوا ( المعلم أني أذهب إليه ساعة فأتعلم ثم أرجع ) إلى خلوتي ( فمضيت إلى الكتّاب وحفظت القرآن وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين وكنت أصوم الدهر وقوتي خبز الشعير إلى أن بلغت اثنتي عشرة سنة فوقعت لي مسألة ) الظاهر أنها من أحوال القلوب والمعاملات مع اللّه تعالى ( وأنا ابن ثلاث عشرة سنة فسألت أهلي أن يبعثوا بي إلى البصرة أسأل عنها فجئت البصيرة وسألت علماءها ، فلم يشف عني أحد منهم شيئا فخرجت إلى عبادان إلى رجل بها يعرف بأبي حبيب حمزة بن عبد اللّه العباداني ، فسألته عنها فأجابني ، وأقمت عنده مدّة أنتفع بكلامه وأتأدب بآدابه ، ثم رجعت إلى تستر فجعلت قوتي اقتصارا على أن يشتري لي بدرهم من الشعير الفرق ) بفتح الراء وسكونها وهو قدر ستة عشر رطلا بالبغدادي وقيل ستة وثلاثين ، وقيل : ستين وقيل : ثمانين ( فيطحن ويخبز لي فأفطر
شرح
أسبابها ، والمعصية تختلف إذ هي باعتبار الخاصة بالميل إلى الحظوظ مما لم يكن فيه وعيد شديد ، وباعتبار العامة بفعل ما منعه الشارع ، وكان فيه الوعيد المذكور . ( قوله : أي أحب الخلوة ) أي للبعد عن الأسباب المعطلة . ( قوله : إني لأخشى أن يتفرق عليّ همي ) أي ما أهتم به ، وهو ذكر ربي في الخلوة مع حضور قلبي ، واللّه ولي التوفيق . ( قوله :
ولكن شارطوا المعلم ) أي اشترطوا عليه ، وقوله : إني أذهب إليه ساعة أي مقدارا من الزمن لا خصوص الساعة المقدرة بخمسة عشر درجة . ( قوله : وحفظت القرآن الخ ) أنظر علو الهمة في حالة السير ، حيث يحمل هذا الشيخ مشاق التكليف قبل خطابه بزمن كبير ، ف للّه الحمد عودا وبدءا أوّلا وآخرا ، حيث هو ولي الإنعام ، ورب الإحسان .
( قوله : وقوتي خبز الشعير ) الظاهر أنه كان يقتصر عليه هذه المدة . ( قوله : فوقعت لي مسألة ) أي خطر لي خاطر قلبي طلبت نفسي فهم معناه ، ولم يتيسر لي ذلك في محل إقامتي ، وذلك الخاطر هو سجود القلب ، كما أشرنا إليه في أوّل ترجمة الشيخ ، ولا سيما مع الانتقال ربما يجد ثمرة مفارقة الأوطان .
( قوله : فسألت أهلي الخ ) أي طلبت منهم أن يبعثوا بي إلى البصرة أسأل عنها أي اطلب سر معناها .
( قوله : فجئت البصرة ) أي فأجابوني إلى ما سألت ، فسافرت فجئت الخ ( قوله : فلم يشف الخ ) أي فلم أقنع بجوابها من أحد . ( قوله : فأجابني ) أي أجابني بما شفى قلبي لقوة معارفه بواسطة تنوير باطنه . ( قوله : انتفع بكلامه ) أي بما يجري على لسانه من الحكم ، وقوله : واتأدب بآدابه أي أتخلق بمثل أخلاقه ، واتحلى بمثل صفاته . ( قوله : فجعلت قوتي اقتصارا ) أي مقتصرا فيه على خصوص الشعير . ( قوله : فأفطر عند السحر الخ )