لأبي يزيد ما أشد ما لقيت في سبيل اللّه ) أي في الطريق الموصل إليه من الطاعات ( فقال : لا يمكن وصفه لشدة عظمه ومشقته ( فقيل له : ما أهون ما لقيت نفسك منك فقال أما هذا فنعم ) أي فيمكن وصفه ( دعوتها إلى شيء من الطاعات ، فلم تجبني فمنعتها الماء سنة ) ، فإذا كان هذا هو الأهون فما ظنك بغيره ( وقال أبو يزيد منذ ثلاثين سنة أصلي واعتقادي في نفسي عند كل صلاة أصليها كأني مجوسي أريد أن أقطع زناري ) بضم الزاي فسره في موضع آخر فقال كنت ثنتي عشرة سنة حداد نفسي وخمس سنين مرآة قلبي وسنة انظر فيما بينهما فإذا في وسطي زنار ظاهر فعملت في
شرح
للتأكيد . ( قوله : فقال لا يمكن وصفه ) أي لبلوغه فيما به السلوك إلى عقبات ومشاق تخرج عن الضبط ، أو لكون بعضها من الوجدانيات التي تضيق عنها العبارة ، فتأمل .
( قوله : أي فيمكن وصفه ) أي لسهولته ، وقرب تذكره . ( قوله : فنعتها الماء سنة ) أي فنعتها شرب الماء سنة ، أي عاما كاملا أدبا لها ، وإرجاعا من العود لمثل ذلك فتأمل أخلاق المقربين ، واللّه ولي المحسنين إن قلت كيف ساغ له ذلك ، وفيه اضرار بالنفس ، وهو ممنوع منه شرعا قلت لعله استعمل ما يقوم مقام الماء هذه المدة على أنه من جملة إكرام اللّه تعالى لمن أحبه أن يخلق فيه قوة الطاعم الشارب . ( قوله : أريد أن أقطع زناري ) أي لعدم صفاء أعماله من كدورات الحظوظ ، والزنار بضم الزاي ما يشد به الوسط . ( قوله :
فقال كنت ثنتي عشرة سنة الخ ) يريد رضي اللّه تعالى عنه ونفعنا ببركاته أن يبين ما كانت عليه البشرية ، مما جبلت عليه بخبث الطوية من الميل إلى الحظوظ والشهوات ، ودنى المقاصد في النيات ، وانتقاله بمقتضى الأمر إلى الكمال ليتعرض لنفحات الإفضال ، فشرع في تقويم الجوارح بالتعلم فتعدلت على حسب ما أفاده التفهم ، فالتفت إلى الخواطر القلبية ، فوجد فيها دسائس شيطانية ، وذلك بالالتفات في بعض الأغراض إلى الخلق ، فعبر عن ذلك بالزنار في الطريق الأحق ، فتخلص من ذلك بمساعدات ربانية ، ومجاهدات بدنية وقلبية ، فظهر له حسن أقواله وأفعاله ، حيث نسي أنعام اللّه عليه بأفضاله ، فسماه بالزنار الباطن ، فهو لخفاء خيانته فيه أشبه المآنيّ فجد واجتهد في إعدامه مستعينا بواردات إلهامه ، فظهر له أن الأمر منه وإليه ، فكبر على الكائنات جميعا بين يديه ، فصار اللّه الشاهد ، والمشهود مالك الملك فهو الموجود ، فتحقق حينئذ بمقام جمع الجمع المنزه عن حواس البصر والسمع ، فعلم أن اللّه تعالى هو العابد والمعبود إذ هو الموجود في كل الوجود فتأمل تفهم وربي بحال الأستاذ أعلم . ( قوله : حداد نفسي ) أي يجهدها في أنواع العبادات ، ويقهرها عليها حتى تتطبع وتتخلق بها . ( قوله : مرآة قلبي ) أي أشاهد ذاتي في غيري من أمثالي . ( قوله : فإذا في وسطي زنار ظاهر ) أي بواسطة إستحساني لأحوالي وأعمالي . ( قوله : كالموتى الخ ) أي وذلك من شهود أنه لا فاعل غيره سبحانه وتعالى .