منها ما نحتاج نحن إليه فانتبه شقيق ) إلى ما ذكر آنفا واستحيا من اللّه أن يهتم برزقه ، وقد ضمنه له مالك السماوات والأرض ( وقال : إن كان لمولاه قرية ومولاه مخلوق فقير ثم إنه ) مع ذلك ( ليس يهتم لرزقه فكيف ينبغي أن يهتم المسلم لرزقه ومولاه غني ) بل أغنى الأغنياء فانتقل بذلك إلى فضل ربه من همه وكربه . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه اللّه يقول : سمعت أبا الحسين بن أحمد العطار البلخي يقول : سمعت أحمد بن محمد البخاري يقول : قال حاتم الأصم : كان شقيق بن إبراهيم موسرا وكان يتفتى ) بماله وجاهه وما يمكنه وفاء بكمال مروءته ( ويعاشر الفتيان ) جمع فتى وهو من لا يدخر ما أمكنه عن قاصده ( وكان علي بن عيسى بن ماهان أمير بلخ ، وكان يحب كلاب الصيد ففقد كلبا من كلابه فسعى برجل ) أي :
وشى به ( أنه عنده وكان الرجل في جوار شقيق فطلب الرجل ، فهرب فدخل دار شقيق مستجيرا فمضى شقيق إلى الأمير وقال خلوا سبيله ، فإن الكلب عندي أرده إليكم ) وأمهلوني في ردّه ( إلى ثلاثة أيام فخلوا سبيله وانصرف شقيق مهتما لما صنع ، فلما كان اليوم الثالث كان رجل من أصدقاء شقيق غائبا من بلخ رجع إليها فوجد في الطريق كلبا عليه قلادة ) تدل على أنه معلم ( فأخذه وقال أهديه إلى شقيق ) يتفتى به ( فإنه يشتغل بالتفتي فحمله إليه فنظر ) إليه ( شقيق فإذا هو كلب الأمير فسر به وحمله إلى الأمير وتخلص من الضمان فرزقه اللّه الانتباه ) بذلك وقال في نفسه إذا كان لطفه تعالى بي وأنا في حال الغفلة والجفاء ، فكيف إذا رجعت إليه بصدق العبادة والوفاء ، فرجع إليه ( وتاب مما كان فيه وسلك طريق الزهد ) والسداد ( وحكي عن حاتم الأصم قال : كنا مع شقيق في مصاف نحارب الترك في يوم لا نرى إلا رؤوسا تنذر ) بالدال المهملة أي : تسقط ( ورماحا تتقصف وسيوفا تتقطع فقال لي شقيق : كيف ترى نفسك
شرح
( قوله : وكان علي بن موسى الخ ) الغرض بيان سبب رجوعه إلى اللّه تعالى ولا مخالفة في تعدد الأسباب لاحتمال أن كلّا وقع ، وكان سببا في الرجوع . ( قوله : في جوار شقيق ) يحتمل أنه في حماه ، أو كان مجاورا له في محل السكنى . ( قوله : وقال خلوا سبيله الخ ) ذلك من جملة تفتيه المتقدم . ( قوله : مهتما لما صنع ) أي من التزامه إحضار الكلب وفاء بالمروءة ولم يكن عنده . ( قوله : قلادة ) هي ما يجعل في العنق من خرزات ونحوها . ( قوله : يتفتى به ) أي يفعل به فعل الشباب . ( قوله : وحمله إلى الأمير ) أي أوصله إليه .
( قوله : وأنا في حال الغفلة والجفاء ) أي بالتفتي والاشتغال بما يلهي عن الحق تعالى . ( قوله : في مصاف ) جمع صف واحد الصفوف تكون تلقاء وجه العدوّ في الحرب . ( قوله : لا ترى إلا رؤوسا الخ ) أي من كثرة الضراب ، والنزال .