من منامه ( فارتفع الصباح ) بقول الناس ( مات داود الطائي وقال له رجل أوصني فقال له : عسكر الموتى ينتظرونك ) فيه تنبيه له على مراعاة الموت والعمل له فإن جميع الموتى ينتظرون الأحياء فإذا كمل موتهم رحلوا جملة واحدة إلى الآخرة . ( ودخل بعضهم عليه فرأى جرة ماء انبسطت عليها الشمس فقال له : ألا تحوّلها إلى الظل فقال : حين وضعتها لم يكن شمس وأنا أستحي أن يراني اللّه تعالى أمشي لما فيه حظ نفسي ) من عدم تغير الماء عما كان عليه وفيه وفيما مر تنبيه على كمال اشتغاله وعمارة أوقاته بالطاعات حتى لا يصرف حركاته في شيء من الجائزات ( ودخل عليه بعضهم فجعل ينظر إليه فقال أما علمت أنهم كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام ) فيه تنبيه على كمال النصح لزائره ووعظه بما ينتفع به في آخرته من ترك الفضول لعموم الخبر الصحيح : « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » ، وهو ما لا تدعو إليه حاجة دينية .
شرح
وابتلاء ، كما لا يخفى على ذي بصيرة بل وبصر ، فهي لهذا سجن ، وكذلك بحسب ما أعده اللّه له في الآخرة ، فهي سجن ، وإن أعطيها بحذافيرها ، إذ هي فانية وقليلة مع ما فيها من الابتلاء والامتحان ، وما عند ربك خير وأبقى فافهم . ( قوله : عسكر الموتى ينتظرونكأي فعسكر الموتى وجماعتهم ينتظرونك ، ولا يخفى ما في الانتظار من معنى استعجال الطلب فعلى العاقل أن يكثر من ذكر الموت ليتجهز لسفره الطويل ، حيث السفر بلا زاد يخشى على صاحبه العطب ، فينبغي التنبه من سنة هذه الغفلة والاستعداد لطول هذه الرقدة ، فالإنسان في حال الحياة يتمكن من الأعمال والهمم ، وبعد الممات لا يحصل على غير الخسران والندم ورحم اللّه الحسن بن علي ، حيث قال : ما رأيت حقا أشبه الباطل من الموت وورد في الخبر : « الناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا » .
( قوله : وأنا أستحي الخ ) أقول من ذلك يعلم أنه كان لا يقع منه مباح ، وهو غير بعيد إذا حسنت النيات ، وخلصت المقاصد ، ويقال : لمثل نفسه الكريمة الزيتونة ، وهي النفس المستعدة للاشتغال بنور القدس بسبب قوّة الفكر فافهم . ( قوله : حتى لا يصرف حركاته الخ ) أي بل كان ينقلها إلى وجوه الطاعات برفيع النيات . ( قوله : أما علمت الخ ) فيه حث على مقام الشكر الذي هو صرف العبد جميع ما أنعم اللّه عليه به فيما خلق لأجله . ( قوله : يكرهون فضول النظر الخ ) أي يكرهون النظر الزائد عما يحتاج إليه ، إذ هو مما لا يعني ، وقوله : كما يكرهون فضول الكلام أي الفاضل الزائد عن الحاجة كذلك ، فكانوا لا يتحركون ولا يسكنون إلا بالإذن الشرعي ، وهكذا يكون الكامل من عباد اللّه لا تتعلق همته إلا بما يعني قولا وفعلا . ( قوله : لعموم الخبر الصحيح الخ ) أي لشموله كل فرد وذلك باعتبار جنس المرء . ( قوله : صم عن الدنيا ) أي اعرض عن التعلق