مات بالكوفة سنة خمس وقيل ست وستين ومائة في خلافة المهدي واعتل أياما ، وكان سبب علته أنه مر بآية فيها ذكر النار فكررها مرارا في ليلة فأصبح مريضا ، واستمر أياما ثم وجد ميتا ورأسه على لبنة ( وكان ) أبو سليمان ( كبير الشأن أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي رحمه اللّه قال : أخبرنا أبو عمرو بن مطر قال : حدثنا محمد بن المسيب قال : حدثنا عبد اللّه ( بن خبيق بضم الخاء المعجمة ( قال قال يوسف بن أسباط ورث داود الطائي عشرين دينارا فأكلها في عشرين سنة كل سنة دينارا وكان يتصدق منه ، ولم يمسكها شحا بل لكونها حلالا وإذا أخرجها غلب على ظنه أنه لا يجد مثلها يأكل منه . ( سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه اللّه ( يقول كان سبب زهد داود أنه كان يمر ببغداد يوما بالطريق ( فنحاه أي : ردّه إلى جانبها ( المطرّقون أي :
الموسعون لها ( بين يدي حميد الطوسي فالتفت داود الطائي فرأى حميدا ورأى أنه قد رفع في الدنيا حتى صار أميرا يطرّق بين يديه فلم ترض همته بهذه المنزلة ، ورأى أن شرف الآخرة أكبر ( فقال داود : أف لدنيا سبقك بها حميد ولزم البيت وأخذ في الجهد والعبادة وسمعت ببغداد بعض الفقراء يقول : إن سبب زهده أنه سمع نائحة تنوح ، وتقول بأي خديك تبدى البلا . وأي عينيك إذا أي : حين البلا ( سالا اعتبر في نفسه بما ذكرنه النائحة من أن العبد وإن ارتفع في الجمال مصيره إلى الحالة المذكورة وخشي معالجة الموت على حين غفلة فجد في الخير واجتهد في العبادة حتى ساد . ( وقيل كان سبب زهده أنه كان يجالس أبا حنيفة رضي اللّه عنه فقال له أبو حنيفة يوما : يا أبا سليمان أما الأداة أي : العلم ( فقد أحكمناها فقال له داود فأي شيء بقي فقال العمل به )
شرح
من خاف الوعيد قصر عليه البعيد ، ومن طال أمله ضعف عمله ، وكل آت قريب ، وكل ما شغلك عن ربك فهو عليك مشؤوم ، وله غير ذلك من نفيس الكلام ، واللّه ولي الأنعام .
( قوله : وكان سبب علته الخ ) أي لتمكن الخوف من قلبه مع رقته نفعنا اللّه به أثر فيه تأثيرا قويا ، حتى كان سببا في مرضه الذي مات فيه ، وهكذا يكون مثله لتثبت شهادته .
( قوله : ورث داود الخ ) فيه دلالة على قوّة قنعه ، وزيادة تقلله من الدنيا ، وذلك غير بعيد إذ القناعة هي كيماء السعادة .
( قوله : بل لكونها حلالا الخ ) أي ، ويحتمل أنه لغرض كف نفسه عن التطلع لما في يد غيره مع الرضا بما قسم له من الرزق . ( قوله : ورأى أنه قد رفع الخ ) أقول أحسن منه أن سبب زهده ما عاينه من بدعة المتوسعين الذين بين يديه مع عدم النكير ، فعرف أنه منشأ الابتلاء في الدين ، فخاف على نفسه فلزم بيته ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . ( قوله :
أنه سمع نائحة الخ ) أي ، وهي من ترفع صوتها بتعداد أوصاف الميت ، وذلك من الكبائر فلعل سماعه إياها كان بدون قصد . ( قوله : فقال العمل به ) أي فقد أرشده إلى ثمرة العلم