بيانهما . ( وقيل حجم جنيد الحجام داود الطائي فأعطاه دينارا فقيل له هذا إسراف فقال لا عبادة ) كاملة من لا مروءة له إذ الغالب من الشحيح الإخلال بالمروءة وكمال الدين بكمال المروءة وفيما فعله داود تنبيه على كرمه وعدم الدنيا في قلبه وعلى أن إنفاقه العشرين دينارا في عشرين سنة لم يكن شحا منه كما مر . ( وكان يقول بالليل إلهي همك ) الذي أحوجني للاجتهاد ( عطل عليّ الهموم الدنيوية ، وحال بيني وبين الرقاد .
سمعت محمد بن عبد اللّه الصوفي يقول : حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا سعيد بن عمرو قال : حدثنا علي بن حرب الموصلي قال : حدثنا إسماعيل بن زياد الطائي قال قالت داية ) أي : جارية ( داود الطائي له ) لما رأته لا يأكل الخبز بل يشرب الفتيت ( أما تشتهي الخبز فقال بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية ) فتركت أكله لما يفوت عليّ به من تلاوة القرآن لا لقلة رغبة فيه دلالة على كمال محاسبته لنفسه وتألمه على ضياع أوقاته في غير مقصوده من تلاوته كتاب ربه ( ولما توفي داود ) ( رآه بعض الصالحين في المنام وهو يعدو ) أي : يسرع في مشيه ( فقال له ما لك ) تعدو ( فقال : الساعة تخلصت من السجن ) لخبر : « الدنيا سجن المؤمن » ( فاستيقظ الرجل )
شرح
والمواجيد الوهبية ، أي ما يجدونه من إحسان الحق وامداده مما لا تكسب لهم فيه ، وقوله : ولهم في ذلك الخ أي وهم فيما تقدم متفاوتون في المقامات والأحوال أي على حسب الاستعداد والقسمة السابقة بمقتضى الحكمة الفائقة ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم .
( قوله : فقال لا عبادة الخ ) في ذلك إشارة إلى تزييف السائل في دعواه الإسراف لأن حقيقته الصرف الغير المأذون فيه على أنه ترقي ، حتى جعل ذلك من المروءة المطلوبة من الإنسان المخل عدمها بالعباد فتأمل . ( قوله : على كرمه ) أي وعلى كرامته عند ربه حيث رزقه القناعة فكفته العشرون دينارا عشرين سنة . ( قوله : إلهي همك عطل عليّ الهموم الدنيوية ) أي اهتمامي بوظائف عبادتك ، واجتهادي في إيقاعها عليّ وجه الكمال خالصة لوجهك عطل على الهموم الدنيوية أي ما يهتم به منها فلم التفت إليه شغلا بك ولعل عدم الالتفات إلى ما يهم من الدنيا لقوّة صبره ، وإلا فمن المعلوم وجوب السعي فيما لا بد منه لبقاء الحياة فتدبر . ( قوله : فقال بين مضغ الخ ) أقول هكذا يكون حال من علت همته وصفت نيته ، ولاحت أمنيته ، واضمحل ناسوته ، وقوي لاهوته وكثرت محاسباته ، وارتقت معاملاته إذ كل من كان إلى طرف الوجوب أميل ، وأحكام الوجوب فيه أغلب ، فهو من السابقين الأنبياء والأولياء ، وكل من كان إلى طرف الإمكان أقوى كان أخس وأدنى ، وكل من كان نسبته التساوي كان مقتصدا من المؤمنين ، فحسب اختلاف الميل إلى احدى الجهتين ، حصل اختلاف المؤمنين في قوّة الإيمان وضعفه فتأمل .
( قوله : لخبر الدنيا سجن المؤمن ) أقول إنما كانت سجنا له لأنها دار امتحان