الأولى العمل بها ( قال داود فنازعتني نفسي إلى العزلة والاجتهاد في العبادة ( فقلت لنفسي وقد اتهمتها في قلة صدقها وصبرها على ما عزمت عليه ( حتى تجالسهم أي :
أبا حنيفة وأصحابه ولا تتكلم معهم ( في مسألة قال : فجالستهم سنة لا أتكلم معهم ( في مسألة وكانت المسألة تمر بي وأنا إلى الكلام فيها أشد نزاعا من العطشان إلى الماء البارد ( ولا أتلكم به فيه أيضا تنبيه على شرف همته وقوّة حزمه في مجاهدته . ولما علم بذلك أن مجاهدته لنفسه غالبة لهواه اعتزل حينئذ واجتهد ( ثم صار أمره إلى ما صار إليه والصوفية لما زهدوا في الدنيا تزكت نفوسهم وانجلت مرائي قلوبهم بصقال التقوى فانجلى فيها صور الأشياء وحقائقها فبانت لهم الدنيا بقبحها فجّدوا في رفضها ، فظهرت لهم الآخرة بحسنها ، فجدوا في طلبها وانصبت إلى بواطنهم العلوم اللدنية ونبعت من قلوبهم ينابيع الواردات الغيبية والمواجيد الوهبية ولهم في ذلك مقامات وأحوال سيأتي
شرح
ونتيجته ، وإلا فإن تجرد العلم عن العمل به كان ضارا غير نافع ، وحجة على الإنسان لا له .
( قوله : الأولى العمل بها ) أي لأن مرجع الضمير الأداة ، وهي مؤنثة إلا أن يقال سهل ذلك للمصنف أن المراد بالأداة العلم ، فتأمل . ( قوله : حتى تجالسهم الخ ) أي فأراد امتحان نفسه بالزامها السكوت هل تقوى عليه وتصبر له أو لا . ( قوله : والصوفية لما زهدوا في الدنيا تزكت نفوسهم ) أي تطهرت عن الحظوظات والعادات البشرية ، وقوله :
وانجلت مرائي قلوبهم ، أي انصقلت أعين بصائرهم بمجاهدات التقوى ، الشبيهة بآلة يصقل بها ما يصدأ من الأواني مثلا ، وقوله : فانجلى فيها صور الأشياء وحقائقها ، أي فكوشفوا بواسطة نور قلوبهم ، فعلموا صور الأشياء وحقائقها علما لا يجامع شكا ولا وهما ولا ظنا ، وقوله : فبانت أي ظهرت لهم الدنيا ، حيث هي من جملة الأشياء الكامنة بقبحها هو ضد الحسن ، وذلك لكونها فتنة ملهية شاغلة للإنسان عما يعنيه غدّارة له مع سرعة زوالها ، وغير ذلك من معايبها التي لا تخفى على ذي بصيرة ، وقوله : فجدوا أي شمروا ، ساعد الجد والاجتهاد عقب عملهم بقبح الدنيا ، وقوله : في رفضها أي تركها على معنى ترك التعلق القلبي بها ، وترك التهافت على تحصيلها ، وقوله : فظهرت لهم الآخرة أي اتضح لهم خيرها ، وحسن عاقبتها ، وما أعده اللّه لعباده المؤمنين فيها ، وذلك بواسطة نور بصيرته أيضا ، وقوله : فجدّوا أي اجتهدوا في طلبها حيث قاموا بوظائف الأعمال الموصلة إلى نعيمها ، وقوله : وانصبت إلى بواطنهم العلوم اللدنية ، أي أفيضت على قلوبهم علوم الأذواق التي مددها الإلهام بوسايط الأنوار وسببها العمل بعلم المتابعات المتلقى عن سيد الكائنات ، وذلك على حسب إشارة خبر : « من عمل بما علم » الحديث ، وقوله : ونبعت من قلوبهم ينابيع الواردات الغيبية ، أي ظهرت الحكم على ألسنتهم مما امتلأت به قلوبهم من الواردات الواردة من حضرة القدس والغيب ، وقوله :