نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 148
المحاسبي رحمه اللّه كان لا يأكل إلا عند الجوع ، ولا يجيب من يدعوه عند الجوع إلا لإدخال المسرة عليه ، وحفظ قلبه إذا كان مستحقا لحفظ القلب من التغير وإنه قد يمد يده ولا يضرب العرق الذي مر بيانه ويتناول الطعام لكن لا يقدر على ابتلاعه فله على ما ذكر أمارتان أمارة عند مد اليد ، وأمارة ضد الابتلاع وربما كان ذلك لقوة الشبهة في أحد المحلين وخفتها في الآخر ، فإذا كانت قوية صانه اللّه عز وجل عن مد اليد وإذا كانت خفيفة صانه عن الابتلاع بعد مدها وتناوله الطعام . ( ومنهم أبو سليمان داود بن نصير بضم النون ( الطائي نسبة إلى طي واسمه جلهمة العد الصريح ليقتدى به فيها ، وهو عدم الأكل إلا عند الجوع ، ويكون ذلك لإدخال المسرة ، وحفظ قلب صاحب الطعام وأن للشيخ إمارتين على ما منع منه لشبهة مثلا ، واللّه تعالى ولي التوفيق . ( قوله : ربما كان ذلك لقوّة الشبهة ) ظاهره أن الشبهة تتفاوت ، وهو كذلك . [ ومنهم أبو سليمان داود بن نصير الطائي ] ( قوله : ومنهم أبو سليمان داود بن نصير الطائي ) قال بعضهم : هو الفقيه الواعي البصير الراوي العابد الطاوي أبصر معتبرا وسبق مبتدرا ، وقبل التصوف تشمر لاستباق وتضمر للحاق ، أخذ الحديث عن عبد الملك بن عمير وعروة بن هشام والأعمش وغيرهم ، وقال الذهبي : كان إماما فقيها ذا فنون عديدة ، ثم تعبد وآثر الوحدة وأقبل على شأنه ، وساد أهل زمانه ، وقال غيره : كان يحضر مجلس أبي حنيفة فقال له أبو حنيفة يوما : أما الأداة فقد أحكمناها ، فقال له داود فما بقي قال : العمل بما علمناه ، فاعتزل وتزهد وتعبد وانقطع لذلك ، وقيل : إنما سبب توبته أن امرأة جاءت إلى أبي حنيفة تسأله عن مسألة فأجابها ، فأعجبت بجوابه ، ثم قالت : هذا العلم فأين العمل فأثر كلامها في قلب داود ، فاعتزل وتعبد ، فكان إذا مشى يسلك الطريق المهجورة البعيدة ، فيقال له : الطريق من هنا أقرب ، فيقول : فرّ من الناس فرارك من الأسد ، ومكث أربعا وستين سنة أعزب ، فقيل له : أما تستوحش ، فقال : حالت وحشة القبر بيني وبين وحشة الدنيا وأهلها ، ومن كلامه : إنما شرع تعلم العلم ليعمل به الطالب أولا فأولا ، فإذا قطع عمره في تحصيله ، فمتى يعمل ، وقال : إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم ، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين يديها فافعل فتزود لسفرك ، واقض ما أنت قاض ، فكأنك بالأمر وقد بغتك والسلام ، وقال : لا تمهر الدنيا دينك ، فمن أمهرها دينه زفت إليه الندم ، وقال : أصحب أهل التقوى ، فإنهم أيسر أهل الدنيا مؤنة عليك وأكثرهم معونة لك ، وقال : ما خرج عبد من ذل المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه اللّه تعالى بلا مال ، وأعزه بلا عشيرة وآنسه بلا أنيس ، وقال له رجل : دلني على رجل أجلس إليه ، فقال : تلك ضالة لا توجد ، وقال :