حتى عرف أنها سنّة أو بدعة ( زين اللّه ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة ) على وفق المراقبة والإخلاص . ( ويحكى عن الجنيد أنه قال مرّ بي يوما الحرث المحاسبي ، فرأيت فيه أثر جوع فقلت : يا عمّ تدخل الدار وتتناول شيئا من الطعام فقال : نعم فدخلت الدار وطلبت شيئا أقدمه إليه فكان في البيت شيء من طعام حمل إليّ من عرس قوم فقدمته إليه فأخذ لقمة فأدارها في فيه مرات ثم إنه قام وألقاها في الدهليز ومر فلما رأيته بعد ذلك بأيام قلت له في ذلك أي : ما سببه ( فقال إني كنت جائعا وأردت أن أسرك بأكلي وأحفظ قلبك ، ولكن بيني وبين اللّه سبحانه علامة على ( أن لا يسوّغني طعاما فيه شبهة فلم يمكني ابتلاعه فمن أين كان لك ذلك الطعام فقلت له إنه حمل إليّ من دار قريب لي من العرس ثم قلت له ( تدخل الدار ( اليوم فقال نعم فقدمت إليه كسرا يابسة كانت لنا فأكل وقال لي : إذا قدمت إلى فقير شيئا فقدم إليه مثل هذا مما تعرف وجه حله وما تعاطيته بنفسك بخلاف طعام العرس ، فإن أحوال أربابه ومقاصدهم في عمله للّه أو لغيره تختلف ، وأفادت الحكاية المذكورة أن
شرح
المكونات ، حتى تقع عبادته على طريقة سيد السادات ، فإن الجوارح الظاهرة ، إنما تكسى من الحالات الباطنة ، ولذا قال سيد المرشدين وإمام المرسلين : « إنما الأعمال بالنيات » المصرح بأنه لا عمل صحيح إلا بها ، ولا ثمرة للعمل إلا بصفائها ، واعلم أن المساعد للعبد على الطهارة المذكورة أن ينظر بالنظر الصحيح فيرى به أن الحق تعالى هو النافع وهو الضار ، لا مدخل لما سواه ، في حركة ولا في سكون ، فحينئذ يوقع الأعمال لمحض وجه الذات العلية من غير التفات إلى العادات الدنية ، فتدبر تفهم ، واللّه سبحانه أعلم .
( قوله : من صحح باطنه الخ ) أي بواسطة مظهر إفاضة نور الهداية الموجب لاستيفاء حقوق المراسم ، فإن من لم يستوف حقوق ما فيه من المنازل لم يصح له الترقي إلى ما فوقه كما أن من لم يتحقق بالقناعة ، حتى يكون له ملكة لم يصح له التوكل ، ومن لم يتحقق بحقوق التوكل لم يصح له التسليم وهلم جرا .
( قوله : زين اللّه ظاهره الخ ) منه تعلم أن ميزان كمال الإنسان متابعته للسنة والقرآن ، وغير ذلك ، إنما هو من تلبيسات الشيطان . ( قوله : تدخل الخ ) هو بحذف همزة الاستفهام أي أتدخل الخ . ( قوله : وأردت أن أسرك الخ ) أي ويؤيد ذلك قول إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه أن فطر من صام نفلا أفضل من إتمامه الصوم إن علم أن أكله يسر صاحب الأكل ، ويتألم بعدمه . ( قوله : وقال لي إذا قدمت الخ ) أي لأنه ينبغي للعبد أنه يحب لأخيه المسلم ، مثل ما يحب لنفسه ، إذ المؤمنون كالبنيان يشدّ بعضه بعضا ، وخبر الصادق صلى اللّه عليه وسلم يدل على ما ذكرناه ، واللّه أعلم . ( قوله : وأفادت الحكاية الخ ) مراد الشارح نفعنا اللّه بعلومه بيان ما تضمنته هذه الحكاية من صفة كمال الشيخ رضي اللّه عنه بطريق