تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
قوله تعالى :
وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً
[ الفرقان : 74 ] أي أئمة يقتدى بهم فهذه شهرة محمودة وإن كانت باختيار العبد لما قلناه ، وكان سفيان يقول : رضا الناس غاية لم تدرك فإن أرضيتهم أسخطت ربك وإن أسخطتهم فتهيأ للسهام قال بشر فالتهيؤ للسهام أحب إليّ من أن يذهب ديني . ( ومنهم أبو عبد اللّه الحرث بن أسد المحاسبيّ بضم الميم وكسر السين سمي به لأنه كان يحاسب نفسه ( عديم النظير في زمانه علما ، وورعا ومعاملة وحالا مع اللّه
شرح
من الهالكين الأخسرين . ( قوله : قال بشر فالتهيؤ للسهام الخ ) يريد حمل نفسه وإخوانه على معاملة الحق ، وإن حصل بها الضرر من المخلوقين ، وذلك لارتكاب أخف الضررين إذ الدنيا وما فيها مما لا يدوم ، ولكون عذابها أخف ، وأسهل من عذاب الآخرة .

[ ومنهم أبو عبد اللّه الحرث بن أسد المحاسبيّ ]

( قوله : الحرث بن أسد المحاسبي ) قال بعضهم هو علم العارفين في وقته ، وأستاذ السائرين في أوانه ، عالم سار نبأ فضله ، وصوفي طار نبل نبله برع في عدة فنون ، وتكلم على الناس فأراهم الجوهر المكنون ، وكان في علم الأصول راسخا راجحا وعن الخوض في الفضول جانحا ، وقد قالوا التصوف الأخذ بالأصول ، وترك الفضول واختيار ما اختاره الرسول ، صحب الشافعي ، وقيل : بل عاصره فقط ، قال التميمي : هو إمام المسلمين في الفقه والتصوف والحديث والكلام ، وقال غيره : له المصنفات النافعة الجمة ، بحيث تبلغ نحو المائتي مجلد ، قال الغزالي في الأحياء : المحاسبي خير الأمة في علم المعاملة ، وله السبق على جميع الباحثين عن عيوب النفس وآفات الأعمال ، وكلامه جدير بأن يحكى على وجهه ، وقال ابن الأثير : هو أوّل من تكلم في إثبات الصفات ، ومن فوائده البديعة من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص زين اللّه ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة ، وقال : لو أن نصف الخلق تقربوا مني ، ما وجدت بهم أنسا ولو أن النصف الآخر أعرضوا عني ما استوحشت لبعدهم ، وقال في حديث خير الرزق ما يكفي هو قوت يوم بيوم لا يهتم لرزق غد ، وقال : فقدنا ثلاثة أشياء حسن الوجه مع الصيانة ، وحسن القول مع الديانة ، وحسن الأخاء مع الأمانة ، وقال : كل زاهد زهده على قدر معرفته ، ومعرفته على قدر عقله ، وعقله على قدر إيمانه ، وقال : العلم يورث المخافة ، والزهد يورث الراحة ، والمعرفة تورث الإنابة ، وقال إذا لم تسمع نداء اللّه ، فكيف تجيب دعاءه ، ومن استغنى بشيء دون اللّه جهل قدره والظالم نادم ، وإن مدحه الناس ، والمظلوم سالم وإن ذمه الناس ، والقانع غني وإن جاع ، والحريص فقير وإن ملك ، ومن لم يشكر اللّه على النعمة فقد استدعى زوالها ، وقال : خير الناس من لا تشغله دنياه عن آخرته ، وقال : من خرج من سلطان الخوف إلى عزة الأمن اتسعت به الخطا إلى مواطن الهلكة ، وقال : الرضا سكون القلب تحت مجاري الأحكام ، وله كلام آخر نافع ، فارجع إليه إن شئت . ( قوله : لأنه كان يحاسب نفسه ) أي عملا بخبر « وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا » ، فكان لا يقول قولا ولا يفعل فعلا إلا بموافقة الكتاب والسنة . ( قوله : علما ) أي بأحكام