( قلت فما تقول في بشر بن الحرث الحافي فقال لم يخلف بعده ) ممن في زمانه ( مثله فقلت بأي وسيلة رأيتك فقال ببرك لأمك ) فيه تحريض على بر الأم ومثلها الأب لكنها أولى منه بذلك لخبر الصحيحين : « جاء رجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك ، قال ثم من ، قال أمك ، قال ثم من قال أمك ، قال ثم من قال أبوك » وقد قرن اللّه برهما ببره فقال :
أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ
[ لقمان : 14 ] . ( سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه اللّه يقول أتى بشر الحافي ) وفي نسخة بشر بن الحرث ( باب المعافى بن عمران فدق عليه الباب فقيل ) له ( من ) هذا ( قال بشر الحافي فقالت له بنية من داخل الدار لو اشترين لك نعلا بدانقين لذهب عنك اسم الحافي ) وزالت عنك هذه الشهرة ( أخبرني بهذه الحكاية محمد بن عبد اللّه الشيرازي قال حدثنا عبد العزيز بن الفضل قال : حدثني محمد بن سعيد قال : حدثني محمد بن عبد اللّه ) وفي نسخة عبيد اللّه ( قال : سمعت عبد اللّه المغازلي يقول : سمعت بشرا الحافي يذكر هذه الحكاية ) فيها تنبيه على أن العبد إذا قدر على ستر حاله وترك شهرته كان ذلك أولى به لأن بشرا اتخذها عبرة ولذلك نقلها الناس عنه . ( وسمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا الحسن الحجاجي يقول : سمعت المحاملي يقول سمعت الحسن المسوحي يقول : سمعت بشر بن الحرث يحكي هذه الحكاية ) فيها دليل على أن بشرا وجد في نفسه منها وجدا كثيرا حتى كثر ذكره لها فنقلت عنه من طرق ، وذلك أن اللّه نبهه على مطلوبية ستر حاله على لسان صغيرة . ( وسمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا الفضل العطار يقول : سمعت أحمد بن علي الدمشقي يقول : قال لي أبو عبد اللّه بن الجلاء ) بالتشديد والهمز ( رأيت ذا النون ) المصري ( وكانت له العبارة ) في طريق القوم ( ورأيت
شرح
( قوله : لذهب عنك الخ ) أي لذهب عنك الاشتهار الذي ربما قصم الظهور ، إلا من حفظه اللّه تعالى . ( قوله : وجد في نفسه منها الخ ) أي تألم منها تألما كثيرا ومن ثم أكثر من حكايتها فنقلت عنه بكثرة ، فكانت له هذه القصة من الزواجر ، وهو واعظ اللّه في قلب المؤمن ، وذلك هو النور المقذوف فيه الداعي للحق ، والدامغ للباطل . ( قوله : وكانت له العبارة الخ ) أي النطق بالحكمة الناشئ عن تعمير القلب ، وزيادة تنويره بواسطة جده في عبادة ربه . ( قوله : وكانت له الإشارة ) أي اشتهر بها ، والإشارة أرق وأدق من العبارة إذ الحكمة نوعان منطوق بها ، وهي علوم الشريعة والطريقة وذلك ما كان لذي النون ، ومسكوت عنها مشار بها ، وهي أسرار الحقيقة التي لا يفهمها علماء الرسوم بل ربما تهلكهم فافهم .