تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
الحجاب ) فيه دليل على كمال معرفته بربه ودوام أنسه به وتلذذه بمناجاته في ليله ونهاره حتى صار الحجاب عنه أشق عليه من كل حجب وألم وأراد بالحجاب الجهل والضلال أو كل ما يشغل العبد عن الحق حتى من العرفان ، ومن أكثف الحجب حجاب الدنيا والخلق والشيطان والنفس فإنهن المهالك ، وأعدى عدوّ للسالك . ( سمعت عبد اللّه بن يوسف الأصبهاني يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت الجريري يقول : سمعت الجنيد يقول : دخلت يوما على السري السقطي وهو يبكي فقلت ) له ( وما يبكيك فقال جاءتني البارحة الصبية ) بنتي ( فقالت يا أبت هذه ليلة حارة وهذا الكوز أعلقه ههنا ثم إنه حملتني ) وفي نسخة غلبتني ( عيناي فنمت فرأيت جارية من أحسن الخلق قد نزلت من السماء ، فقلت لمن أنت فقالت : لمن لا يشرب الماء المبرّد في الكيزان فتناولت الكوز فضربت به الأرض ) فكسرته ( قال الجنيد فرأيت
شرح
بالوقوف مع ظواهر المكونات مع الغفلة عن المسألة الغامضة التي هي بقاء الأعيان الثابتة على عدمها مع تجلي الحق باسم النور ، أي الوجود الظاهر في صورها ، وظهوره بأحكامها ، وبروزه في صور الخلق الجديد على الآفات بإضافة وجوده إليها ، وتعينه بها مع بقائها على العدم الأصلي ، وهذا ذوق كشفي ينبو عنه الفهم ، والعقل الظلماني ، ولهذا سميت غامضة فافهم . ( قوله : فلا تعذبني بذل الحجاب ) يشير إلى أن النار هي نار البعد ، والجنة هي جنة القرب ، فالنار مع الشهود نعيم ، والجنة مع الغفلة عذاب مقيم . ( قوله : فيه دليل على كمال معرفته الخ ) أي لأن التألم بالحجاب من ذوق لذة القرب بحضور القلب مع الغيبة عن السوى ، وذلك المقام لا يكون إلا لعارف . ( قوله : أو كل ما يشغل العبد عن الحق ) أقول هو أولى مما قبله لعمومه ، ولمناسبته لمقام الشيخ فالحمل عليه أولى . ( قوله : وما يبكيك ) أي أيّ شيء كان سببا في بكائك . ( قوله : وهذا الكوز أعلقه الخ ) أي شفقة على والدها وبرا به . ( قوله : فرأيت جارية الخ ) أي رأيت فيما يرى النائم . ( قوله : لمن لا يشرب الخ ) أي لمن يمنع نفسه منه مع رغبته فيه . ( قوله : قال الجنيد الخ ) فيه إشارة من الجنيد نفعنا اللّه بعلومه ، وأمدنا من حقائقه أن السري قد وصل إلى درجة المستريح من العباد الذين أطلعهم اللّه على سر أحكام القضاء والقدر الأزليين بحيث تحققوا أن كل مقدور يجب وقوعه في وقته المعلوم ، وكل ما ليس بمقدور يمتنع وقوعه ، فاستراحوا من الطلب والانتظار لما لم يقع والحزن والتحسر على ما فات ، كما قال تعالى في محكم كتابه العزيز :ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها[ الحديد : 22 ] ولهذا قال أنس رضي اللّه تعالى عنه : خدمت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عشر سنين ، فلم يقل لشيء فعلته لم فعلته ، ولا لشيء تركته لم تركته ، فلم يجد هذا الإنسان إلا الملائم لفقد مراداته في