وغمه وقل طعمه وشربه فيبس جلده على عظمه من توالي ذلك على قلبه ففعل السري ما فعل وغلب عليه الحال لكمال الوقت الذي أقسم فيه فغشي عليه وظهرت آثار صدقه على وجهه فنار وجهه كأنه قمر مشرق ، فالتأديب بالحال أكمل منه بالمقال
شرح
ثوبي زور » « 1 » . ( قوله : وذلك أن من قويت الخ ) الإشارة للمذكور قبله من أن المقامات والأحوال لا تكون إلا بتمام المجاهدات إذ من قويت محبته لشيء استعمل الجد في تحصيله ، فما ظنك بأنفس النفيس ، فهو بالأولى لا يكون الحصول عليه هينا بل لا بد فيه من بذل الوسع ، والخروج عن جميع المألوفات ، واللّه تعالى ولي العنايات يختص برحمته من يشاء فافهم . ( قوله : وأزال ذلك ) أي الجد والاجتهاد نومه أي لأجل نيل مقصوده ، كما أشير إلى ذلك في قول بعضهم :يغوص البحر من طلب اللآلي * ومن رام العلا سهر الليالي( قوله : من توالى ذلك على قلبه ) أي حيث هو من مظاهر الخوف ومجال العظمة .
( قوله : لكمال الوقت ) أي بسبب حضور قلبه فيه بمراقبة ربه .
( قوله : وظهرت آثار صدقه ) أي بعمارة باطنه ، وقوّة يقينه فتزايدت الأنوار ، حتى فاضت ، وظهرت على الجوارح الظاهرة فأشرق بذلك وجهه ، ودار كأنه القمر ، ولم يمنع من ذلك ما كان به من الأدمة نفعنا اللّه ببركاته ، وإخواننا المؤمنين . ( قوله : في الاستغفار ) أي في طلب المغفرة منه تعالى عن قولي أي من أجله فعن بمعنى من التعليلية . ( قوله :
قيل له وكيف ذلك ) أي كيف تستغفر من قولك الحمد للّه ، والحال أنه ثناء على اللّه سبحانه وتعالى في مقابلة نعمه ، وهو من الطاعات ، وقوله : قال وقع الخ محصل جوابه أن الاستغفار من إيثار نفسه ، حيث أوقع الثناء بصدد ما حصل له من نجاة حانوته من النار مع الغفلة ، عما صار لإخوانه المؤمنين رضي اللّه تعالى عن عباده الصالحين . ( قوله :
حيث أردت لنفسي الخ ) اعلم أن النفس أمارة ولوّامة ومطمئنة فالأمارة تميل إلى الطبيعة البدنية ، وتجنب القلب إلى الجهة السفلية قال تعالى :إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ[ يوسف : 53 ] واللوامة هي التي تنورت بنور القلب تنور أمّا قدر ما تنبهت من سنة الغفلة فهي مترددة بين جهة الربوبية والخلقية ، فكلما صدرت منها سيئة بحكم جبلتها الظلمانية تداركها نور التنبيه الإلهي ، فأخذت تلوم نفسها وتتوب مستغفرة راجعة إلى باب الغفار الرحيم ، والمطمئنة هي التي لم تتنور بنور القلب حتى انخلعت عن الصفات الذميمة ، وتحلت بالحميدة فتوجهت إلى القلب بالكلية متابعة ، وجاذبة له إلى عالم القدس مجانبة لعالم الرجس حتى خاطبها ربها بقوله :يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( نكاح 106 ) ومسلم ( لباس 126 ، 127 ) والترمذي ( بر 87 ) وأحمد بن حنبل ( 6 ، 167 ، 345 ، 346 ، 353 ) .