وفيه جواز إظهار المشايخ الصفات المحمودة والنطق بها لتلامذتهم ليكمل اقتداؤهم بهم . ( ويحكى عن السري أنه قال منذ ثلاثين سنة أنا في الاستغفار عن قولي ) في ابتداء أمري في الوقت الذي كنت أبيع واشتري فيه في السوق ( الحمد للّه مرة قيل ) له ( وكيف ذلك قال : وقع ببغداد حريق ) فأحرق الحوانيت وما فيها ( فاستقبلني رجل ) وفي نسخة واحد ( فقال لي نجا حانوتك فقلت الحمد للّه فمنذ ثلاثين سنة أنا نادم على ما قلت حيث أردت لنفسي خيرا مما ) أي بدل ما ( حصل للمسلمين ) إذ كان حقه أن يغتم لهم فلما فاته ذلك استغفر اللّه من غفلته كلما تذكرها ( أخبرني به عبد اللّه بن يوسف قال سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا بكر الحربي يقول سمعت السري يقول ذلك . ويحكى عن السري ) أيضا ( أنه قال أنا أنظر في أنفي في اليوم كذا وكذا مرة مخافة أن يكون قد اسودّ ) أي ( خوفا من اللّه أن يسوّد صورتي لما أتعاطاه ) أي من التقصير في كمال التعظيم له تعالى بالإجلال لا من المعاصي لأنه رحمه اللّه تعالى كان مبرأ عنها أو إنما خص الأنف لأن الشخص لا يرى من وجهه غير أنفه . ( سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول : سمعت جعفر بن نصير يقول سمعت الجنيد يقول سمعت السري يقول : أعرف طريقا مختصرا قصدا إلى الجنة فقلت له ، ما هو
شرح
فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي[ الفجر : 27 - 30 ] . ( قوله : إذ كان حقه أن يغتم الخ ) أي لأن المؤمنين كالعضو الواحد إذا اشتكى بعضه اشتكى كله .
( قوله : أنا أنظر في أنفي الخ ) أي أكرر النظر فيه خوفا من أن يكون قد اسودّ يعني مع باقي الصورة ، وذلك من تجلي صفة الجلال ، والقهارية على هذا الشيخ بسبب التفاته إلى تقصير النفس الذي لا يخلو عنه الإنسان غالبا ، وهو مقام رفيع له نفعنا اللّه به .
( قوله : أن يسود صورتي الخ ) إن قلت التقصير لا يظهر على الصور قلت بالنسبة للمحبوبين لا للمكاشفين . ( قوله : كان مبرأ عنها ) أي محفوظا منها ، كما هو شأن مثله المحفوظين . ( قوله : لا يرى من وجهه غير أنفه ) أي بدون واسطة مرآة .
( قوله : أعرف طريقا ) أي من طرق الوصول إلى اللّه تعالى مختصرا قصدا ، أي متوسطا إلى الجنة ، ومحصل الغرض له إبعاد المريدين عن مهنة التطلع إلى ما في يد الغير وحثهم على التقلل من الدنيا ، حتى لا يكون بيدهم ما يوجب تطلع غيرهم لهم أيضا . ( قوله : إلى الجنة ) اعلم أنها جنات جنة الأفعال جزاء لها ، وهي صورية إذ هي من جنس الملاذ ، وجنة الوراثة ، وهي جنة الأخلاق الحميدة الحاصلة بمتابعة سيد المرسلين ، وجنة الصفات الحاصلة من تجلي الصفات ، والأسماء الإلهية ، وهي جنة معنوية ، وجنة الذات ، وهي للقلوب والأرواح الحاصلة من مشاهدة الجمال الأحدي ، وجنة الضيق والسعة الأولى ما لا اتساع معها للغير لا وجودا ، ولا تعقلا كقولهم : لا يعرف اللّه غير