من أصحاب معروف الكرخي ) كما مر ( فجاء معروف يوما ومعه صبي يتيم فقال له :
اكس هذا اليتيم قال سري : فكسوته ففرح به معروف وقاله له : بغض اللّه إليك الدنيا وأراحك مما أنت فيه فقمت من الحانوت وليس شيء أبغض إليّ من الدنيا وكل ما أنا فيه من بركات معروف ) فيه تحريض على إدخال التلميذ المسرة على المشايخ بفعل ما يشيرون به ليدعوا له باجتهاد . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه اللّه يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا عمر الأنماطي يقول سمعت الجنيد يقول : ما رأيت اعبد من السري أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رؤي مضطجعا إلا في علة الموت ) لعجزه ، فيه تنبيه على كمال مجاهدته وملازمته الإقبال على اللّه تعالى بالقلب والجوارح . ( ويحكى عن السري أنه قال : التصوف اسم لثلاث معان ) من قامت به فهو الصوفي لأن التصوف مشتق على الصحيح من الصفا عن الكدر وقد بين المعاني الثلاث مع من قامت به فقال ( وهو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه )
شرح
ولا قوة إلا باللّه . ( قوله : ففرح به معروف ) أي حيث امتثل ، وبذل ، ورأى اخلاصه فيه ، ومن أجل ذلك دعا له بحضور قلبه وجمع همه .
( قوله : بغض اللّه إليك الخ ) إن قلت لم لم يطلب له زيادة التوفيق ، والغنى ، قلت :
لعله كان ممن رزق الحكمة التي هي العلم بحقائق الأشياء وأوصافها وخواصها وأحكامها على ما هي عليه ، وبارتباط الأسباب بالمسببات ، وأسرار انضباط نظام الموجودات ، فبمقتضى ما لاح له بالنور دعا له بالدعاء المذكور على أن الخير كله في بغض الدنيا ، كما أن جماع الشر كله في حبها . ( قوله : فقمت من الحانوت الخ ) منه يعلم أن الشيخ كان مجاب الدعوة . ( قوله : وكل ما أنا فيه ) أي زيادة عن تجرده وبغضه للدنيا الحاصل بدعائه نفعنا اللّه به . ( قوله : ما رأيت أعبد من السري ) أي وهو غير بعيد باعتبار من منح الحكمة الجامعة التي هي معرفة الحق ، والعمل به ومعرفة الباطل واجتنابه ، كما أشار إلى ذلك الخبر بدعائه صلى اللّه عليه وسلم الذي كان يقول فيه : « اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه » « 1 » . ( قوله : ما رؤي مضطجعا الخ ) أي لأنه كان من المجاذيب الذين هم السائرون إلى اللّه تعالى حاملين لزاد التقوى والطاعة حتى يصلوا إلى منازل القلب ومقامات القرب ، فيكون حينئذ سيرهم في اللّه فافهم .
( قوله : وهو الذي لا يطفئ الخ ) أقول فاعل الفعل الذي هو يطفئ قوله نور معرفته ، وقوله : نور ورعه منصوب على أنه مفعول به ، والمعنى أن نور المعرفة الذي من جملته علم ، ويقين أن العبرة ، والمعول عليه إما هو بما سبق به القضاء الأزلي من سعادة
هامش
( 1 ) أخرجه العراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 2 / 366 ) .