فيقول اللّه عز وجل لملائكته من هذا فيقولون أنت أعلم ) به ( يا رب فيقول : هذا معروف الكرخي سكر من حبي فلا يفيق إلا بلقائي ) فيه تنبيه للسري على الجد والتخلق بأخلاق شيخه في كمال محبته لمولاه ، وجميل حاله في تقواه حتى باهى اللّه به ملائكته بقوله : من هذا وهو أعلم به ليجمع هممهم عليه قبل الجواب ، ويعرّفهم ما هو عليه من حسن الاستقامة مع ما ابتلاه به من اختلاف الأهواء والشهوات ، وتسليط عدوه عليه بالوسوسة والتلبيسات ، ومع ذلك سكر من حب مولاه حتى لم يلتفت لما عداه ، فإن الملائكة صلوات اللّه وسلامه عليهم لم يبتلوا بما ابتلي به الإنسان ، ولا امتحنوا بمعاداة النفس والشيطان . ( وقال معروف : قال لي بعض
شرح
الأعظم في كل ذلك إنما هو سابقة العناية ، وإنما المظاهر أمارات فاللّه سبحانه وتعالى لا يحرمنا سبق عنايته ، ويحفظنا بمتابعة خير بريته إنه جواد كريم .
( قوله : فيقولون أنت أعلم به الخ ) أقول عدم علمهم به يدل على أنه من جملة المضنون بهم غيرة عليهم المقول لهم سود الوجوه الذين هم من أفراد الإنسان الكامل ، وإنما قيل لهم سود الوجوه لأنهم دائما في المشاهدة فيرون ظلمة الكون في نور مرآة الحق ، ومن دونهم من السعداء بالعكس ، فيقال : لهم بيض الوجوه في الدنيا والآخرة ، وذلك لأنهم مرآة الحق فتنتفي ظلمتهم بنور الحق ، وهو معنى قوله : في الخبر : « كنت سمعه » الحديث فافهم . ( قوله : سكر من حبي الخ ) أي غلب عليه هيام الحب بدوام المتابعة مع الإخلاص في العمل والمراقبة حتى غيبه عما سوى الحق تعالى ، فلا يفيق من هذه الغيبة إلا باللقاء . ( قوله : سكر من حبي ) أي لأنه قد انكشف له حجاب مجمع الأهواء الذي هو حضرة الجمال المطلق الذي لا يكون هو إلا رشحة منه المشار إليه بقول بعضهم :نقل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحب إلا للحبيب الأول( قوله : مع ما ابتلاه به الخ ) أقول : ولعل ذلك سبب فضل الإنسان إذ مكابدة الأهواء والشهوات ، حتى يقوى على ترك العادات والمألوفات لا تكون إلا بعظيم الجد والمجاهدات ، فتدبر .
( قوله : ومع ذلك سكر الخ ) أي بسبب قوّة روحه ، وروحانيته واضمحلال ناسوته وبشريته . ( قوله : حتى لم يلتفت الخ ) أي لما وقر في قلبه ، من أن كافة الممكنات هي الظل الثاني ، وفي الحقيقة ليس إلا وجود الحق الظاهر بصورها ، فلظهوره بتعيناتها تسمى باسم السوى باعتبار الإضافة إلى الممكنات ، إذ لا وجود للممكن إلا بمجرد هذه النسبة وإلا فالوجود عين الحق ، والممكنات ثابتة على عدمها في علم الحق ، فهي شؤونه تعالى الذاتية ، فالعالم صورة الحق ، والحق هوية العالم وروحه ، وإنما هذه التعينات في الوجود