كان صحيحا تاما ويستحسنه ، وينسى منة ربه عليه ، ومنهم من يلتفت في وقت عبادته لربه لحسن عمله ، وإن رآه منة من ربه وسلم من العجب فهذان لا يبطلان عمله ، وبهذا الاعتبار قيل : رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين ، فإن إخلاص المريدين سلامتهم من أوّل رتب الرياء المحرم ورياء العارفين التفاتهم إلى عملهم ونظرهم إلى حسنه في حال عبادتهم ( وقال الفضيل : ترك العمل لأجل الناس ) أي ليثنوا عليه بالإخلاص ( هو الرياء ) أما تركه للخوف من وقوعه في الرياء فليس رياء وإن كان تاركه مضيعا له بل حقه أن ينفي ذلك الخاطر ويعمل ( والعمل لأجل الناس ) مع اللّه ( هو الشرك ) أما عمله لأجل الناس خاصة فهو رياء أو كفر . ( وقال أبو علي الرازي : صحبت الفضيل ثلاثين سنة ما رأيته ضاحكا ، ولا متبسما إلا يوم مات ابنه علي فقلت له : في ذلك فقال : إن اللّه أحب أمرا فأحببت ذلك ) الأمر فيه دليل على كمال حزنه في سائر أوقاته وإنما تكلف الضحك والسرور بموت ولده على خلاف عادته لأنه علم أن اللّه تعالى يحب منه هذه الحالة لكونها دليل الرضا بقضائه فأظهرها لمولاه . ( وقال الفضيل : إني لأعصي اللّه ، فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي )
شرح
عن منة ربه حيث هو الموفق له أقول ، وهو أحسن حالا ممن قبله وقوله ، ومنهم من يلتفت في وقت عبادته الخ ، أي وهو أكمل ممن قبله كذلك ( قوله : أفضل من إخلاص المريدين ) أي لأنه قل أن يصفو ويتم . ( قوله : وقال الفضيل الخ ) منه يعلم أنه كان من أرباب الهمم العالية التي هي الدرجة الثانية ، فلا يرضى فيها العبد ، ولا يقنع إلا بالذات ، فلم يكن له التفات إلى حال أو مقام ، وأنه نفعنا اللّه به كان طبيبا روحانيا ، وهو العالم بكمالات القلوب وآفاتها وأمراضها ، وبكيفية حفظ صحتها واعتدالها ورد أمراضها ، فهو حينئذ متحقق بمقام الإرشاد والتكميل فتدبر . ( قوله : هو الرياء ) أي لأنه من الغفلة عن النافع الضار ، فالكمال في الفناء عن سائر الكائنات ، والتحقق بالبقاء الأبدي فافهم . ( قوله : والعمل لأجل الناس ) أي باعتبار حب محمدة ، أو إقبال عليه أو لنيل عرض فان . ( قوله : هو الشرك ) الخفي أي في العمل وهو من الكبائر محبط للثواب لا في الاعتقاد إذ هو كفر ، والعياذ باللّه تعالى . ( قوله : ما رأيته ضاحكا ) أي فكان مشهده الجلال ، وهو احتجاب الحق بعزته أن تدرك حقيقته اللازم منه قهاريته لسائر ما سواه ، وعلوه على كافة ما عداه فافهم .
( قوله : فقلت له في ذلك ) أي سألته عن السبب ، فقال : إن اللّه الخ أي فكان مشهد ما صدر الأفعال ، فكان مراده ما أراده اللّه ، فموقفه موقف صدق حيث فني عن مراداته في مرادات ربه واللّه أعلم . ( قوله : وإنما تكلف الخ ) أقول وهذا لا ينافيه بكاؤه صلى اللّه عليه وسلم على ولده إبراهيم وقوله : « إن العين لتدمع » الحديث لأنه بيان للجواز ، وللتشريع للأمة فتأمل .
( قوله : فأعرف ذلك في خلق حماري ) أي بأن يتعاصى عليه ، وقوله : وخادمي أي باساءة