وقيل الفيض بن إبراهيم ) ( وأبوه كان نوبيا توفي ) هو يوم الاثنين ( سنة خمس وأربعين ومائتين ) ودفن بالقرافة الصغرى ( فائق هذا الشأن ) من فاق الرجل أصحابه إذا علاهم بالشرف والإضافة بمعنى في ( وأوحد وقته علما وورعا وحالا وأدبا سعوا ) أي : وشوا ( به إلى المتوكل فاستحضره من مصر ) فحضر ( فلما دخل ) إليه ( وعظه فبكى المتوكل ) لما علم من وعظه له وقت الخوف أنه قائم بالحق والنصح ( ورده إلى مصر مكرما ،
شرح
وروى عنه ناس كثير فمنهم الحسن بن مصعب ، وأحمد بن صبيح والطائي وغيرهم ، وأصله من النوبة ، كما ذكره الشارح ، ثم نزل باخميم فأقام بها فسمع يوما صوت لهو ودفاف ، فقال : ما هذا ، قيل له : عرس ، وسمع بجانبه بكاء وصياحا فقال : ما هذا قيل فلان مات ، فقال : أعطي هؤلاء فما شكروا ، وابتلي هؤلاء فما صبروا ، وخرج من البلد ، ومن مقاماته العلية أن روحه الشريفة كانت تدبر أجساما متعددة ، ويشهد له ما نقله ابن العربي ، فارجع إليه إن شئت . قال أحمد بن مقاتل : لما دخل ذو النون بغداد اجتمع إليه الصوفية ، ومعهم قوّال فاستأذنوه أن يقول بين يديه شيئا ، فأذن ، فابتدأ يقول :صغير هواك عذبني * فكيف به إذا احتنكا
وأنت جمعت من قلبي * هوى قد كان مشتركا
أما ترثي لمكتئب * إذا ضحك الخليّ بكاقام ذو النون ، وسقط على وجهه ، والدم يقطر منه ، ولا يسقط على الأرض ، ومن كلامه : من راقب العواقب سلم ، ومنه : إياك أن تكون للمعرفة مدعيا ، أو بالزهد محترفا أو بالعبادة متعلقا ، ففرّ من كل شيء إلى ربك ، ومنه : من قنع استراح من أهل زمانه ، واستطال على أقرانه ، ومنه : الزهاد ملوك الآخرة وهم فقراء العارفين ، ومنه : من وثق بالمقادير لم يغتم ، ومنه : الأنس باللّه نور ساطع ، والأنس بالناس سم قاطع ، ومنه : إذا خرج المريد عن حوزة الأدب يرجع إلى حيث شاء ، ومنه : مفتاح العبادة الفكرة ، وعلامة الإصابة مخالفة النفس والهوى ، وقال : الصبر السكوت عند تجرّع غصص البلية وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة ، وقال : ما أخلص عبد إلا أحب أن يكون في جب لا يعرف ، وقال : لكل شيء عقوبة ، وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر اللّه ، وقال :
من تزين بعمله فحسناته سيآت ، وقال : صدور الأحرار قبور الأسرار ، وقال : العبودية أن تكون عبده في كل حال ، كما هو ربك في كل حال ، وله كلام كثير نافع واللّه أعلم .
( قوله : وأبوه كان نوبيا ) أي وكان أحمر اللون . ( قوله : سعوا به الخ ) تأمل يا أخي في ابتلاء مثل هذا الكامل أوحد المشايخ الأفاضل تتسلى عن هذه الدار ، وتعلم أن الغرور من شأن الكفار أو الفجار ، وأن تخليص الظاهر والباطن يكسب عاقبة المحاسن ، فعسى أن تسير بسير المحبين ، وتحظى برتبة الموفقين إذ تنقيص هذا الكامل ما زاده إلا تعظيما ،