اعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حتى تجوز ست عقبات أولاها تغلق ) بضم التاء ( باب النعمة وتفتح باب الشدة والثانية تغلق باب العز وتفتح باب الذل ، والثالثة تغلق باب الراحة وتفتح باب الجهد ) . بفتح الجيم وضمها ( والرابع تغلق باب النوم وتفتح باب السهر ، والخامسة تغلق باب الغنى وتفتح باب الفقر والسادسة تغلق باب الأمل ) أي الرجاء ( وتفتح باب الاستعداد للموت ) لأن درجة الصالحين لا تنال إلا بارتكاب
شرح
العطية لما فرح ، أو لو وعد بكل خير لما رجا إذ كان متغير ليس من الفقر على أصل فافهم . ( قوله : اعلم أنك لا تنال الخ ) أقول لما كانت حظوظ النفس في التنعم والعز والراحة وكثرة النوم والغنى والأمل نهى عن الاتصاف بها اللازم منه التجرّد عنها الذي هو سبيل الوصول إلى الدرجات العلية والمقامات السنية فقال اعلم الخ . ( قوله : تغلق باب النعمة ) أي التنعم والترفه أي لأن عباد اللّه ليسوا متنعمين بل حالهم دائما خشونة العيش .
( قوله : تغلق باب العز ) أي لأنه منشأ مفاسد كثيرة كالكبر والعجب ، والتغلب بالظلم والغفلة التي ينشأ عنها طول الأمل ، والتهافت على الدنيا والإعراض عن الأخرى ، وغير ذلك من الداآت المهلكة ، وقوله : وتفتح باب الذل أي الخضوع والتواضع مع الحق والخلق ، لوجهه سبحانه وتعالى .
( قوله : تغلق باب الراحة ) أي ولذا قيل شعرا :يغوص البحر من طلب اللآلي * ومن رام العلا سهر الليالي( قوله : وتفتح باب الجهد ) أي الاجتهاد في فعل العبادة واجبة ومندوبة . ( قوله :
تغلق باب النوم ) أي كثرته التي لا تنشأ غالبا إلا عن كثرة الأكل الذي يوجب الفتور ، والكسل وقسوة القلب وظلمته ، وأقل أنواع ضرره تفويت الوقت الذي هو كحدّ السيف ، إن لم تقطعه قطعك ، فلا تغفل . ( قوله : تغلق باب الغنى ) أي الاستكثار منه مع امساكه أو صرفه بدون إذن شرعي ، أما كثرته من غير تعلق القلب به مع صرفه ، فيما أذن فيه فلا بأس بها بل ربما حمل على ذلك إنما الدنيا مزرعة للآخرة فحرّر وتدبر .
( قوله : وتفتح باب الفقر ) أقول أوقات الفقير في الفقر الحقيقي أعز وأغلى من الكدر والصفاء إذ الشأن الإلهي خارج عن أحكام الأطوار البشرية ، فمن غيرته الحوادث بالصفاء والكدر ، فليس من الفقر بشيء لا أعني بهذا التغير تغير الجسمان ، والذبول والطراوة ولا التلوّن بتغاير الأكوان ، بل أريد بذلك التغير القلبي المنزل للروح من أفقها العليّ الأعلى إلى الحضيض الدنيّ الأدنى ، واللّه الموفق لا عالم به غيره . ( قوله : وتفتح باب الفقر ) أي الافتقار إلى اللّه تعالى ، ولو مع ملابسة المال على الوجه الذي قدّمناه فتأمّل . ( قوله : تغلق باب الأمل ) أي لأنه يؤدّي إلى الغفلة ، والتهاون بالطاعات ، والتسويف بها . ( قوله : وتفتح باب الاستعداد للموت ) أي بالتزوّد إلى سفره الطويل