تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
خاطر وقع في قلبه ألهمه ( ألهذا خلقت أم بهذا أمرت ، ثم هتف به أيضا من قربوس سرجه ) ألهمه ( واللّه ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت فنزل عن دابته وصادف راعيا لأبيه فأخذ جبة للراعي من صوف ولبسها وأعطاه فرسه وما معه ، ثم إنه دخل البادية ، ثم دخل مكة وصحب بها سفيان الثوري والفضيل بن عياض ودخل ) بعد ذلك ( الشام )
شرح
يركض فرسه سمع صوتا فوقه يقرأأَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً[ المؤمنون : 115 ] اتق اللّه ، وعليك بالزاد ليوم الفاقة ، فرفض الدنيا ، وعمل للآخرة ، وهام بالبادية ، وفي رواية أنه لما سمع النداء نزل عن فرسه ، ودفع ثيابه لصياد ، وأخذ ثيابه ومرّ هائما ، فرأى على الأثر إنسانا وقع عن قنطرة ، فقال له وهو في الهواء : قف فوقف في الهواء لا يسقط ، ولا يصعد حتى وصل إليه ، فأخذه بيده وألقاه على القنطرة سالما ، وما ذاك إلا لكمال صدق توبته ، وعظيم حسن نيته ، فأعظم بها من كرامة ما أسناها ، ومرتبة ما أعلاها ، ولقي الخضر بالبادية ، وعلمه الاسم الأعظم ، وقال له لا تدع به على أحد فتهلكه في الدنيا والآخرة ، واعبد ربك على تحقيق المشاهدة والمراقبة ، واعلم أنه أقرب إليك من حبل الوريد ، وقال الغزالي : كان ابن أدهم والثوري يطويان ثلاثا ثلاثا ، ويأكلان في الرابع ، وسئل عن لبس المرقعة ، فقال : إن قلت اختيارا تكون دعوى ، أو اضطرارا تكون شكوى ، ولكن لبسها عارية أقول ، وليس ذلك بعجيب منه ، حيث أخرج نفسه من الدنيا قبل أن يخرج منها ، وإذا أردت زيادة في مناقبه ، فارجع إلى المناوي . ( قوله : ثم هتف به أيضا الخ ) أقول تكريره تأكيد للداعي ، ولهذا كان على سبيل الاستفهام الإنكاري ، أوّلا والجزم المؤكد بالقسم ثانيا . ( قوله : فنزل عن دابته الخ ) أي امتثالا للداعي حالا بإفادة فاء التعقيب ، وذلك على حسب سابق العناية . ( قوله : وصحب بها سفيان الثوري الخ ) هو سفيان بن سعيد الثوري كانوا يسمونه أمير المؤمنين في الحديث ، ولد سنة سبع وتسعين ، وخرج من الكوفة إلى البصرة سنة خمس وخمسين ومائة ، وتوفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة ، وكان أعلم هذه الأمّة وعابدها وزاهدها ، وكان لا يعلم أحدا العلم حتى يتعلم الأدب عشرين سنة ، وكان يقول إذا فسد العلماء ، فمن بقي في الدنيا يصلحهم ، ثم ينشد :يا معشر العلماء يا ملح البلد * ما يصلح الملح إذ الملح فسدوكان سفيان المذكور ، كما حكي عنه في الطبقات الصغرى ، إذا جلس للعلم وأعجبه منطقه يقطع الكلام ، ويقوم ويقول أخذنا ونحن لا نشعر ، وكان يملي الحديث ، ويقول واللّه لو رآني عمر بن الخطاب لضربني بالدرة وأقامني ، وقال مثلك لا يصلح للحديث ، وكان يقول للناس إذا طلبوا منه الحديث : واللّه ما أرى نفسي أهلا لإملاء الحديث ، ولا أنتم أهلا أن تسمعوه وما مثلي ومثلكم إلا كما قال القائل : افتضحوا فاصطلحوا ، وكان قد امتنع من الجلوس للعلم ، فقيل له في ذلك فقال : واللّه لو علمت أنهم يريدون بالعلم وجه اللّه لأتيتهم في بيوتهم وعلمتهم ، ولكن إنما يريدون به المباهاة ،