وإذا رحل عن موضع ترك بدله فيه حقيقة روحانية ، يجمع فيها أرواح ذلك الموضع الذي حل عنه هذا الولي ، فإن ظهر شوق من أتى إلى ذلك الموطن لهذا الشخص تجسدت لهم تلك الحقيقة الروحانية التي تركها بدله ، فكلّمها وكلّمته وهو يتخيل أنه مطلوب وهو غائب عنه حتى يقضى حاجته منه .
وقد تتحد هذه الروحانية إن كان من صاحبها شوق ، أو تعلق همة بذلك الموطن . وقد يكون هذا من غير البدل :
والفرق بينهما أن البدل يدخل ويعلم أنه ترك بدله ، وغير البدل لا يعرف ذلك وإن تركه ، لأنه لم يحكم هذه الأربعة الأركان وهي : " الصمت ، والعزلة ، والجوع ، والسهر " . ثم قال : وفي ذلك الوقت :
يا من يريد منازل الأبدال * من غير قصد منه للأعمال
لا تطمعنّ بها فلست من أهلها * إن لم تزاحمهم على الأحوال
واصمت بقلبك واعتزل عن كل من * يدنيك من غير الحبيب الوالي
وإذا سهرت وجعت نلت مقامهم * وصحبتهم في الحل والترحال
بيت الولاية قسّمت أركانه * ساداتنا فيه من الأبدال
ما بين صمت واعتزال دائم * والجوع والسهر النزيه الغالي
قال شيخ الإسلام سراج الدين ابن الملقن في " طبقات الأولياء " ما نصه في ترجمة الشيخ قضيب البان الموصلي : ذو الأحوال الباهرة والكرامات المتكاثرة ، سكن الموصل واستوطنها إلى أن مات بها قريبا من سنة سبعين وخمسمائة .
وكان يتردد في الرسائل بين الشيخ عبد القادر الكيلاني ، وعدى بن مسافر ، وذكروه عند الكمال بن يونس فوقع فيه موافقة لمن عنده ، فبينما هم كذلك إذا دخل عليهم ، فبهتوا .