فانخرقت العوائد في الأجسام ، وضرب بسور القدرة القديمة في وجه الطبيعة الذميمة لما تلطفت الجوهرة وصفت طلبت العلو فهفت مع تعلقها بتدبير الجسم الذي به كلفت ، سلطت عليه القوة القهرية متى شاءت فحجبته عن أعين الناظرين ، فلحق بالعالم الأعلى في صفائهم ؛ لأنه إذا خرج عن أرضه والتحق بهؤلاء السادات أعنى الملائكة اكتسب منهم صفة لم يكن عليه حكم فيها الغائب على الشاهد .
فخرج عن العادة البشرية بالتصفية اللطيفة الملكوتية ، والتسخير الذي حصل له من تلك المشاهدات حتى خفى عن الأبصار . وهذه كرامة أصل وجودها ما ذكرناه ، وسبب الاحتجاج مانع يقوم بإدراك الرائي حتى يهتف بك وأنت لا تراه ، ويمشى على الماء وفي الهواء ، ويصير كالهيولى قابلا للتشكيل والصور كالعالم الروحاني مثل جبريل الذي كان ينزل تارة على صورة " دحية " .
وقد تجلى له صلى اللّه عليه وسلم وهو قد سدّ الأفق ، له ستمائة جناح . وتشكل الروحانيين غير منكور عندنا ، وهكذا رجع الخضر يتشكل على أي صورة أحب أن يرى فيها هي على قدر مقامك ، فالمملكة التي أعطى إنما هو فعل تشخصه لك ذاتك وهو على صورته التي خلقه الله عليها ، ويغلط في هذا المقام جماعة من المتطفلين على الطريقة " . ( انتهى كلام بحر الحقائق ابن عربى ) .
وقال أيضا في كتابه ( حلية الأبدال وما يظهر عنها من المعارف والأحوال ) :
" فإذا اعتزل الإنسان عن الخلق وعن نفسه ، فصمت عن ذكره بذكر ربه إياه وأعرض عن الغذاء الجسماني ، وسهر عن موافقة نوم النائمين ، واجتمعت فيه هذه الأربعة ، بدلت بشريته ملكا وعبوديته سيادة ، وعقله حسّا ، وعينه شهادة ، وباطنه ظاهرا .
الكواكب الزاهرة — صفحة 96
مساهمون: توفيق على وهبة
ص٩٦