ومضيت إلى الجامع ، وذلك في أيام البداية ، فوجدته قد امتلأ بالناس ، وقد هم الخطيب أن يرقى المنبر ، فأسأت الأدب ولم أزل أتخطى رقاب الناس حتى وصلت إلى الصف الأول ، فجلست وإذا عن يميني شاب حسن المنظر ، طيب الرائحة ، عليه نسمة التصوف ، فلما نظر إلى قال : كيف حالك ؟ قلت : بخير أصلحك الله .
وبقيت متفكرا في معرفته لي ، وأنا لم أعرفه .
فبينما أنا كذلك إذ أخذني حرقان بول فأكربنى ، فبقيت على وجل خوفا أن أتخطى رقاب الناس ، وإن جلست لم تكن لي صلاة ، فالتفت إلىّ وقال :
يا سهل ، أخذك حرقان بول ؟ قلت : أجل ، فنزع إحرامه عن منكبيه ، فغشانى به . ثم قال : اقض حاجتك وأسرع لتلحق الصلاة .
قال : فغمى على ، فلما فتحت عيناي ، وإذا بباب مفتوح فسمعت قائلا يقول : لج الباب يرحمك الله ، فإذا بقصر مشيد ، عالي البنيان ، شامخ الأركان ، وإذا بنخلة قائمة وإلى جانبها مطهرة ومنشقة " معلقة وسواك فحللت لباس وأرقت الماء ، ثم اغتسلت وتنشفت بالمنشفة " ، فسمعته ينادى : يا سهل ، إن كنت قضيت أربك ، فقل : نعم .
فقلت : نعم . فنزع الإحرام عنى ، فإذا أنا جالس ولم يشعر بي أحد ، فبقيت مفكرا في نفسي ، وأنا مكذب نفسي فيما جرى ، فقامت الصلاة ، فصليت ولم يكن لي شغل إلا الفتى لأعرفه ، فلما فرغ تبعت أثره ، فإذا به قد دخل إلى درب ، فالتفت إلى وقال : يا سهل ، كأنك ما أيقنت بما رأيت ؟
قلت : كلا . قال : فلج الباب يرحمك الله ، فنظرت الباب في الحال بعينه .
فولجت القصر ، فنظرت النخلة والمطهرة والحال بعينه ، فمسحت عيني وفتحتها فلم أجد الفتى ولا القصر .
قال الدميري : وإنما ذكرت هذه الحكاية لأنها من جملة العجائب عند غير هذه الطائفة ، ولا يكاد يؤمن بها كثير من الناس ، ولها احتمالات منها :
الكواكب الزاهرة — صفحة 79
مساهمون: توفيق على وهبة
ص٧٩