فأضربهم سماع هذا الكلام ودهشوا في حسن إفحاصه عن حال الرؤية وقام بعضهم ومزق ثيابه وخرج إلى الصحراء هائما قال العلماء : سبحات وجهه تعالى بضم السين والباء والتاء في آخره هو نوره وجلاله وبهاؤه وفي مسلم حجابة النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه تعالى ما انتهى أليه بصره من خلقه والمراد بالحجاب هنا المانع من رؤية المسمى نورا ونارا كما في رواية أخرى والمعنى لو أزال ذلك المانع من رؤيته وتجلى لخلقه جلال ذاته جميع مخلوقاته ولهذا قال الشيخ شرف الدين ابن الفارض على لسان الحقيقة :
ولولا احتجابى بالصفات لأحرقت * مظاهر ذاتي من ثناء سجيتى
( * ) تذنيب :
قال الشيخ تاج الدين ابن السبكي في الطبقات الكبرى ما نصه حكاية تشمل على تحقيق التجلي قال القاضي ناصر الدين بن المنير المالكي وفي الحكاية المدونة في كتب أهل الطريق أن أبا تراب النخشبى كان له تلميذ وكان الشيخ يرفق به ويتفرس فيه الخير وكان أبو تراب كثيرا ما يذكر أبا يزيد فقال التلميذ يوما من يتجلى له الحق تعالى في كل يوم مرات ماذا يصنع بأبى يزيد فقال له أبو تراب ويحك يا فتى لو رأيت أبا يزيد لرأيت أمرا عظيما فلم يزل يشوقه إلى لقائه حين عزم على ذلك في صحبة الشيخ أبى تراب فارتحلا إلى أبى يزيد فقيل لهما إنه في الغيضة وكانت له غيضة يأوى إليها مع السباع فقصدا الغيضة وجلسا على ربوة على ممر أبى يزيد فلما خرج أبو يزيد فعندما وقع بصر الفتى على أبى يزيد خر ميتا فحدث أبو تراب أبا يزيد بقصته وتعجب من ثبوته لتجلى الحق سبحانه وتعالى وعدم تماسكه لرؤية أبى يزيد فقال أبو يزيد لأبى تراب لقد كان هذا الفتى صادقا وكان الحق تعالى يتجلى له على قدر ما عنده فلما رآني تجلى له الحق تعالى على قدرى فلم يطق .
قال الفقيه ناصر الدين واصطلاح أهل الطريق معروف وحاصله في ذلك رتبة من المرفة جلية وحاله من اليقظة والحضرة سرية سنية والإيمان يزيد