كثيرا لأرباب الأحوال ، ويفهمون ما يناسبهم من الحوادث وإن لم تكن من جنس الأقوال ، ويكون ذلك عند الشئ لا منه فيحكى أحدهم ما فيه عند سماعه لتلك الآية ، فيظن من سمعه أنه قال ذلك تفسيرا للآية واستنباطا منه وليس كذلك .
وإما أن يبنى ما فهمه من تلك الآية على شئ اعتقد دلالة اللفظ عليه إما الاشتراك أو غيره ، وكان هناك ما يمنع من دلالة اللفظ عليه ، وإذا علمت اشتمال كلام الله تعالى على ظهر وبطن وحد ومطلع مع ما تقدم من الأدلة الشرعية ظهر لك تعدد المداخل إلى فهم معاني القرآن العظيم وأن الناس وإن تسابقت أفهامهم في معانيه لا يبلغون غايتها إلا أنهم متفاوتون فليس من وقف على سواحل الخطاب كمن غاص في قعر بحر التدبر ، فاستخرج من جواهر المعاني العجب العجاب هذا مع أن جواهر هذا البحر لا تفنى ويتامى درره كلها لا تحوى .
ولقد يمن الله سبحانه وتعالى - على كثير من خواص عبيده العلماء المتدبرين الموفقين في الآية الواحدة بل هي في الكلمة الواحدة بل في الحرف الواحد بما لا يكاد يحصى من المعاني التي لا تدرك بمجرد نور القلب بل لا يدفع ذلك من نور رباني ليتظافر النوران الخارجي والوالجى الممنون بهما على من أريد بالهداية لسابق العناية .
ولقد حكى بعض الأكابر الشيوخ الذين لقيتهم عن والده - رحمه الله - وكان من أكابر الأولياء والعارفين أنه قال : ما قرأت الفاتحة قط إلا فهمت منها ما لم أكن أفهمه قبل ذلك ، فانظر إلى اتساع مجال هذا الرجل ، وكم قرأ الفاتحة في عمره من مرة في الصلوات وغيرها ! .
ولعمري لقد اغترف هذا من بحر ممدود بمداده لا ينقطع ، وماذا عسى يكون نسبة جملة ما فهمه هذا وأمثاله إلى ما ذكره الله سبحانه وتعالى في قوله :
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا