تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكواكب الزاهرة — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
لم يوحدوه إلا بأقداره وتعليمه وإعلامه فلسان العبد كالآلة كما قال تعالى : « فبى ينطق » ويستمر بعد فناء الخلق كما قال الله تعالى :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ
فلا يجيبه أحد فيجيب نفسه
لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
« 1 » وقوله : « ونعت من ينعته لأحد » أي وصف الذي يصفه من خلقه إذا كان مع إثبات رسمه وفعله واعتقاده وجودهما مع وجوده فهو بذلك لأحد أي مائل عن جهة الحق كما سبق تقريره فحقق ذلك واجتنب غيره . وقال حجة الإسلام الغزالي رضي الله عنه في مشكاة الأنوار : ومن هاهنا ترقى العارفون من حضيض المجاز واستكملوا معارجهم فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا الله وأن
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
« 2 » لا أنه يصير هالكا في وقت من الأوقات بل هو هالك أزلا وأبدا لا يتصور إلا كذلك وأن كل شئ سواه إذا اعتبر ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض وإذا اعتبر من الوجه الذي سرى إليه الوجود من الأول الحق فهو موجود لا في ذاته ولكن من الوجه الذي يلي موجده فيكون الموجود وجه الله تعالى . ولكل شئ وجهان : وجه إلى نفسه ووجه إلى ربه فهو باعتبار وجه نفسه عدم وباعتبار وجه الله تعالى موجودا فإذا لا موجود إلا الله ووجهه فإذا
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
أزلا وأبدا ولم يفتقر هؤلاء العارفون إلى قيام القيامة ليسمعوا نداء الباري تعالى :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
بل هذا النداء لا يفارق سمعهم أبدا ولم يفهموا من معنى قوله : الله أكبر أنه أكبر من غيره حاشا لله إذ ليس معه في الوجود غيره حتى يكون أكبر بل ليس لغيره رتبة المعية بل رتبة التبعية بل ليس لغيره وجود إلا من الوجه الذي يليه .
هامش
( 1 ) سورة غافر - آية 16 . ( 2 ) سورة القصص - آية 88 .