جائر فقد كان عدما ويصير عدما فالمعنى ما وحد الواحد وهو الله تعالى حق توحيده الذاتي أحد ، لأنه يكون حينئذ قد أثبتت مع الله تعالى نفسه ورسمه .
قال العلامة شمس الدين البرماوى في شرح خطبة الحاوي الصغير قلت : ولعل صاحب الحاوي لما لحظ هذا المعنى عدل إلى قوله : « المتوحد » أي الذي هو واحد بذاته وإن لم يوحده موحد لأنه الواحد قبل إيجاد الموحدين له وإذا تقرر مذهب الصوفي في التوحيد بهذا التقرير وهو عدم ملاحظة نفسه وغيره مما سوى الله كان حقا ولا يلزم منه حلول ولا اتحاد مع شئ من خلقه فإن ذلك محال باطل .
ومعنى قوله في البيت الثاني عارية أن الحضرة الإلهية إذا لم يكن معها نطق ولا رسم على الحقيقة كان إثباتهما عارية معنى استعير له اسم الوجود وهو ما يعبر عنه بالمجاز والاستعارة لأن التفريع على أن الوجود الحقيقي هو الواجب لا الوجود الممكن وهذا على طريق العارية ولهذا قال تعالى :
حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
« 1 » وقال صلى اللّه عليه وسلم في الكهان « ليسوا بشئ » « 2 » وقال للمسىء صلاته : « ارجع فصل ، فإنك لم تصل » « 3 » فهذان شاهدان من الكتاب والسنة .
ومما يحكى عن الجنيد سيد الطائفة إني ليخطر لي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين من الكتاب والسنة وأما على المشهور الشائع فإن الخلاف من كون الوجود ينطلق على القديم والحادث من المشترك أو من المتواطئ أو من المشكل خلاف مشهور ومعنى قوله في البيت الثالث توحيد إياه أي توحيد الحق تعالى نفسه أي علمه بوحدانيته هو التوحيد لأنه قبل أن يوجد الخلائق كما في حديث عمران بن حصين « كان الله ولم يكن شئ وكان عرشه على الماء » « 4 » الحديث ويستمر توحيده نفسه بعد خلق الخلق لأنهم
هامش
( 1 ) سورة النور - آية 39 .
( 2 ) رواه عبد الرزاق في مصنفه .
( 3 ) سورة غافر - آية 16 .
( 4 ) رواه البخاري .