ثم إن هذا الصنف العالي من الأولياء لم يعصموا من تنزلات الشياطين على قلوبهم مثل عصمة الأنبياء ، لكن عصموا رضي الله عنهم عن أن يكون الشيطان حكم عليكم كحكم ما ألقى عليه بتأثير فيهم بحسب ما أراده الشيطان ، فأعطاهم الله تعالى التمييز بين ما يرد به الملك ، وبين ما يرد به الشيطان ، وإن كان خيرا .
وغرض الشيطان منه أن يلبس عليه بأن ذلك من الله على طريق الملك ، فإذا اتصف بهذا الجهل سرّ الشيطان بذلك لعلمه أن الجهل أشد العذاب ، فإنه الذي أوقعه في الخسران المبين حيث لم يعقل عن ربه ما أراده في أمره بالسجود ، وقد صير الله ذوات هؤلاء الأولياء كالإكسير الذي يقلب النحاس والرصاص ذهبا إبريزا ، ويقلب الحديد والقلعي فضة بيضاء ، فيأخذ به هذا الشيطان .
فإن كان شرا عرفوه وأعدوه لموطنه الذي يليق به ، وإن كان خيرا أخذوه من حيث إن الحق أرسله إليهم على يد عدوّهم ، فقد سخر لهم عدوّهم في أن يلقى إليهم ما في سعادتهم من حيث لا يعلم كما فعلت الأنبياء بما ألقى إليهم في الصورة الظاهرة ؛ لأن قلوبهم ليس له إليها سبيل ، فخيل لسليمان جنة من أحسن ما يكون من الجنان ليفتنه وما علم علم قلب الأعيان .
فعندما أبصرها سليمان عليه الصلاة والسلام - عرف أنها جاءت من الله تعالى له جنة معجلة ونعيما على يدي عدو لا يعرف ما أتى به ، فألقى عليها من إكسير الحضور الإلهى وزن ذرة ، فخرجت من عالم الخيال إلى عالم الحس ، وكان في بعض بساتينه وجنانه ، فخرجت عن سلطان الشيطان ؛ لأن سلطانه في عالم الخيال والتمثيل ليس له حضرة غيرها فخرج خاسرا مدحورا ذليلا لما أصابه من تصيير ما أتى به بعدا قربة إلى الله وزلفى ، وهدية من الله عظمى ، فهذا هو الفرق بين المعصوم والمحفوظ .
الكواكب الزاهرة — صفحة 127
مساهمون: توفيق على وهبة
ص١٢٧