التقييد النزرة وتخويف العارف عن الاتصاف بها ظاهرا فإنها صفة يلحظ منها النقص ، وحيث ذكر الثوب هاهنا أشار إلى ظاهر الوجود المقيد فكأنه قال : من اشتمل بظاهر التقييد اشتمال اتصاف ، فليس هو من ذاتي المطلقة ، ولهذا قال : ( ومن تركه فهو مني ) أي :
من خفي ظاهره خفاء عدميا وانتفت عن ظاهره صفات التقييد الذي هو ترك الثوب فهو من ذاتي إذ حقيقتها تنافي هذه الصفات .
قوله : ( ثم قال لي : شهد العدم للحيرة إنني أنا اللّه لا إله إلا أنا ) أقول : مراده بهذا الخطاب حصور الحيرة شاهدة للعدم شهودا عيانيا ، لأننا قلنا في أوائل هذا المشهد : إن الواقف في الحيرة هو في الحد الفاصل بين العدم والوجود ، وينظر إلى العدم باعتبار وإلى الوجود باعتبار ، فمن حيث هو واقف في الحيرة صار متكيفا بها ، ومن حيث هو ناظر إلى العدم ، فإن العدم ينظره بعين الإدراك العام ، فبواسطة هذا النظر يشهد للواقف في الحيرة بها ، ويحصل من بينهما حقيقة التوحيد النسبي الذي ليس هو جعل الوجود ، وإنما هو علمه بأن اللّه واحد من جملة الآحاد ، ومرجع حكم الآحاد إليه وهو معنى الإله عند علماء الظاهر ، وليس هو معنى الإله عندنا في الحقيقة ، فإننا عالمون بباطن ما قاله الرسول صلى اللّه عليه وسلم والظاهرون يعلمون بظاهره ، فالألوهية عندنا هي تسليم حكم الرب على العبد وباطن الحكمين واحد ، ويختلف في الظاهر وكلانا يشترك في أن الإله واحد من الجملة عند الأحكام لأن الأسماء تقيد مسماها ، فمتى أطلقنا عليه اسم الإله كان مقيدا وكل مقيد يشارك في الوجود ، فالشهود للحيرة أوجب هذا التوحيد لأن الحقيقة قيّدت نفسها في حال هذا الشهود قسرا ، وقد قيل : إن التألّه هو الحيرة والإله هو المحيّر وقد أريد لهذا الشاهد الجمع بين أصناف اللغات العربية .
والحاصل من هذا الخطاب أن شهود العدم للحيرة هو جعلها عليها إلها وهذا رأي من قال : إن الإله هو المحير ، وكأنه يقول : شهد العدم للحيرة بتحقيق الإله للمتحير .
* * *
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 356
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٣٥٦