هو الثوب علم بأحديته أن اسمه المنتقم قد قوي على اسمه الظاهر المقيد وقد أفناه بواسطة الهلاك ، وهذا الخطاب يحصل لكل عارف قبل اتصافه ببقاء البقاء ، فإنه يقوي اسمه المنتقم الذي هو في الوجود حقيقة النار على أسمائه الأخرى المنوطة بالتقييد ، فيجعلها فانية فيكون هذا الفناء الثاني ممكنا للبقاء ، ومن هاهنا يتصف ببقاء البقاء أي : يتمكن البقاء .
قوله : ( وإن سلم فليس ثوبي ) ، يريد به أن العارف إذ لم يقدم على الإلقاء في المهالك قبل هذه الحالة المذكورة ، فيؤخر عنها إلى وقت آخر ، ويكون في حال هذا التأخر ليس متصفا بالأبد ، وهو اسم يختص باللّه حقيقة ، وكأنه في حال هذا التأخر ينقص عنه شيء من الأسماء ، مكمنة فيه وليس ظاهرة له ، واللّه ليس عنه شيء خاف من الأسماء ، فإذا خفي شيء من الأسماء المتأخرة في هذا الآن لم يكن متصفا بكمال الظهور وعدم هذا الكمال عبارة عن بقاء هذا الثوب في النار ووجوده عبارة عن فنائه الموري عنه بالاحتراق ، فكأنه قال له : ( إن فنيت فأنت ظاهري المتصف بالكمال ، وإن بقيت على سبيل التأخر عن ظهور الكمال فلست ظاهري ) .
قوله : ( ثم قال لي : إن احترق فليس ثوبي ، وإن سلم فهو ثوبي ومن لبس ثوبي ، فليس مني ، ومن تركه فهو مني ) أقول : مراده بهذا الخطاب الإشارة إلى اتصاف هذا العارف بالأوصاف التي قلنا : إنها مخبوئة له قبل هذا الخطاب ، فلمّا اتصف بها يعد له ظاهر منفصل عن باطنه ولا صورة مقيدة منفصلة عن حقيقته المطلقة ، وتعود مجموع أسمائه متصفا بالبقاء والثبوت الذي لا اختلال فيه ، ثم يبرأ عن العوارض المهلكة والصفات المفنية ، فلا يعود يطرأ عليه فناء آخر إذ هو فان في الحقيقة والفناء لا يدخل على الفاني ، لكن يعود هذا الفاني مفنيا للأشياء ، وهو باقي ولا يحكم على ظاهره اسمه المنتقم الذي هو حقيقة النار ، فكأنه يقول له : إذا وجدت هذه الصفات فيك بعد تيقنك أنها لي ولاءم ظاهرك الانتقام ، فاعلم أن صفاتك صفاتي وأسماءك أسمائي وتكون قد اتصفت بالبقاء الذي لا يدخل عليه فناء آخر ، ومتى باين مزاجك النقمة مباينة ما ، فاعلم أنه قد تخلف عنك شيء من الصفات خافية كامنة في ذاتك ، فانتظر لها الظهور ، وهذه علامة على اتصاف العارف ببقاء البقاء الذي ذكرناه ، فإن وجد في ذاته شيئا من المباينة ، فتيقن أنه لم يظهر له هذه الأوصاف الصادرة عن البقاء المتمكن ، وليس له شيء أشد قبولا من ظاهره للآفات ، فإن لم يطرأ عليه شيء ، وهو عدم الحريق الذي قاله في حق الثوب ، فيتيقن بالاتصاف الفاني ، وإن ورد عليه شيء من العوارض التي من جملتها حريق الثوب ، فلا يتيقن بالغاية الحقيقية ، ويتوقع إظهار ما كمن في ذاته .
وقوله : ( ومن لبس ثوبي ، فليس مني ومن تركه فهو مني ) يريد به إظهار حقيقة
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 355
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٣٥٥